news Image

باتت أغلب الدول المتطورة في عصرنا الراهن، وتلك التي تنشد التطور، تعتمد على ما تنتجه مؤسساتها الدراسية والبحثية كأحد المصادر الأساسية لرسم سياساتها وبرامجها المختلفة في الآجال القريبة والمتوسطة والبعيدة. في حين أن الكثير من الدول الأقل نمواً وتطوراً لا تزال تفتقر إلى مثل هذه المؤسسات، مما يقلص أمامها هامش الخيارات المفيدة في رسم سياساتها وبرامجها، لتجد نفسها مضطرة إلى الاعتماد على رؤى وتصورات غالباً ما تنشأ في عقول بعض موظفيها أو مستشاريها، أو على ما يصلها من معلومات أو دراسات من المعاهد والمراكز الاستراتيجية الدولية في أوروبا وأمريكا، (ينتشر في العالم ما يزيد على 7000 مؤسسة للأبحاث والدراسات) أو في أحيان أخرى يكون اعتمادها على تقارير تصدرها منظمات دولية مثل البنك الدولي أو صندوق النقد الدولي أو منظمات الأمم المتحدة باختصاصاتها المختلفة.

إن مواجهة التحديات الحضارية المعاصرة لا تكون من خلال جهود ومبادرات فردية، بل من خلال عمل جماعي مؤسسي مؤطر وممنهج وفق رؤية وتصور واضحين يقوم على تضافر جهود كافة الإمكانيات والكفاءات العلمية والفكرية في مختلف المجالات والحقول المعرفية، وهذا ما يتطلب إيجاد بنىً مؤسسية بحثية حاضنة ومستوعبة لهذه الإمكانيات والكفاءات، تكون كفيلة بتوفير الظروف والشروط المناسبة لممارسة التفكير الجماعي المركب وتعميق روح الفريق في التفكير والعمل.

غير أن مهمة هذه المراكز والمؤسسات لا تقتصر على جمع المعلومات ولملمتها من هنا وهناك، بل على إنتاج الأفكار والرؤى، كخطوة أولى لا بد منها، أما الخطوة الثانية والأكثر أهمية وعملية فهي تعميم هذه الأفكار والرؤى على نطاق واسع لتطوير الحياة المعرفية والثقافية في المجتمع، بغية خلق بيئة صالحة للعلاقة العملية بين الأفكار والرؤى وبين والواقع القائم، فالعلم الذي لا ينفع كجهالة لا تضر.