turned_in_not
news Image
2016-05-11
دور الجيش السوري العابر للطوائف (الجزء الثاني).

لعبت الجيوش العربية في العراق وسورية ومصر والجزائر وليبيا دوراً رائداً في قيادة هذه الدول مع نهاية الاستعمار الكلاسيكي، كما أنها لعبت دوراً تحديثياً بالرغم من خطاياها المتعددة، وليس أدل من ذلك البدائل التي عشناها تحت شعار الربيع العربي. فهل تحولت مصر إلى الحداثة والديمقراطية مع مرسي؟ أو تونس الاخوانية، أو ليبيا، أو الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام الداعشية؟ أو عُدنا القهقرى قروناً إلى الوراء استبداداً وتخلفاً وتوحشاً؟ إن تدخّل الجيش في السياسة منافٍ للمبدأ الديمقراطي، لكن فتاوى رجال الدين التي تتحكم بالمجتمعات العربية هي أيضاً منافية للإرادة الشعبية.

لا نستطيع الحديث عن ديمقراطية ضمن مجتمعات هدفها إقامة دولة دينية ترفض المساواة بين المواطنين بناء على أفضلية مذهب أو ملة على أخرى، ومن ثم تدمر المجتمع عبر إلغاء الآخرين الذين لا ينتمون إلى هذه الطائفة أو تلك، فسيطرة الجيش هي اللاصق الوحيد للدولة الوطنية في هذه المرحلة من تاريخنا بسبب لا وحدة المجتمع، المنفصم طائفياً، لذلك يُطرح إنشاء مجلس عسكري يتبوأ السلطة بشكل مؤقت كحل لتسوية الوضع في سورية وإنهاء الحرب، وذلك للحفاظ على سورية لا طائفية.

تدخّل الجيش في الأمور السياسية يجب أن يكون ظرفياً ومؤقتاً ولأسباب خارجة عن المسار الطبيعي، الا أنه لا يستطيع أن يتصدى للعوامل الخارجية والداخلية معاً لفترة طويلة، لذلك يقع على عاتق الفئة المثقفة ومؤسسات الدولة مهمة نقل المجتمع من حالته الطائفية الى المواطنة عبر المدرسة وبرامج التربية الوطنية، وعبر الإعلام، والتشريع، وإشراك الجميع في النشاطات التي يقوم بها المجتمع والتي تهدف الى وحدته لا تشتيته.

أولوية الحفاظ على وحدة الوطن على حساب الديمقراطية تجلى في قرار الإدارة الأميركية في ستينيات القرن الماضي حين طلبت من الجيش الأميركي العمل على إلغاء التمييز العنصري بين «السود» و«البيض» بالقوة، لأن غالبية الشعب رفضت الاندماج. فلو أن أميركا تمسكت آنذاك بالديمقراطية والحرية، كما تريدنا أن نفعل الآن، لتحولت الى مسرح حروب أهلية دمرتها.

اضطُرت الإدارة الأميركية الطلب من الجيش قمع أي محاولة شعبية ترفض الدمج في الساحات العامة والجامعات والمدارس، لأن الوحدة الوطنية هي أساس البنيان القومي، ومنها يندرج المبدأ الديمقراطي الذي ينص على مبدأ المساواة بين المواطنين دون تمييز أو محاباة.

بين الدولة واللادولة الحرب الدائرة اليوم ليست بين الديكتاتورية والديمقراطية كما تشيع الولايات المتحدة الأميركية، إنها حرب كاسحة، شاملة بين الدولة العلمانية والدولة الدينية.

هذه هي حرب الربيع العربي الآخذ بالانتشار منذ خمس سنوات، أي أن سوراقيا تواجه منذ أكثر من مئة عام التحدي نفسه الذي لم تستطع أن تتفوق عليه كلياً، فإما أن يحكم الجيش وهو أقرب إلى العلمانية والى فصل الدين عن الدولة، أو تسود الكيانات الطائفية والعرقية.

ولقد آزر التيار السلفي الوهابي الذي صدّرته السعودية، عودة الدولة الدينية ورفض رفضاً قاطعاً العلمانية أو فصل الدين عن الدولة، فهو يريد دولة يحكمها الشرع الإسلامي بناء على المذهب الوهابي.

ولا يشذ عن طلب الدولة الإسلامية الإخوان المسلمون أو «المسلمون المعتدلون» كمعاذ الخطيب، الذي أعلن صراحة لا شرعية النظام العلماني، ورفض إدخال كلمة «ديمقراطية» في بياناته.

هو ومسلموه المعتدلون يريدون حكماً دينياً، ما يعني حرباً أهلية لا نهاية لها، لأن سورية مكوّنة من طوائف وملل مختلفة.

وما يزيد في الأمر تعقيداً أنّ السلفية كما الإخوان المسلمين لا ينظرون فقط إلى مجموعهم عبر المنظار الديني، بل ينظرون إلى العالم الخارجي نفس هذه النظرة أيضاً، وينسبون قرارات الغرب السياسية والاقتصادية والاجتماعية إلى أسباب دينية، بدلاً من مواجهتها بشكل علمي ومنهجي على أساس تطاحن المصالح القومية، فيُسقطون على الآخرين نظرتهم القروسطية للأمور، وينتج عن تلك النظرة البدائية، الساذجة والمتخلفة، ردات فعل لا عقلانية ولا واقعية تجاه الأحداث العالمية، ما يؤدي إلى مزيد من السيطرة والهيمنة للدول الغربية.

أما البديل عن الديمقراطية بالنسبة للتيار الديني السني فهو هيمنته باسم «الأكثرية» الدينية على «الأقليات» الدينية الأخرى.

ونسمع العديد من السياسيين المرموقين في سورية ولبنان والعراق يدافعون عن هذا الطرح غير آبهين بالنتائج الكارثية عليهم وعلى غيرهم، وبالمحتوى العنصري الرافض للآخر الذي يحيا معه على الأرض ذاتها. ولقد وصل بهم الحد إلى اعتبار هيمنة المذهب السني هو الديمقراطية بعينها على أساس أنهم يمثلون «الغالبية».

فهل سألوا أنفسهم يوماً عن أي «أكثرية» نتكلم؟ «الأكثرية» و«الأقلية» في المجتمعات الديمقراطية تتمحور حول البرامج السياسية وحصول أكثرية الأصوات لمشروع، وأقلية أصوات لمشروع آخر.

والأكثرية والأقلية لا علاقة لها لا بالعرق ولا بالطائفة أو الدين أو بالذكورية والنسوية. هكذا تتقدم الأمم عبر تطبيق برنامج حظي على الأكثرية الشعبية الى برنامج آخر، أما نظريات الأكثرية والأقلية الدينية وإقحامها في المصير الوطني فهي لا تؤدي إلا إلى حروب أهلية تقضي على الجميع.

لم يكن هدف ما سمي بالربيع العربي استبدال الاستبداد والديكتاتورية بأنظمة ديمقراطية، فلو كان ذلك صحيحاً لتوجب البدء بالممالك والعروش والإمارات التي تقبع في زمن ما قبل الديكتاتوريات.

فالأنظمة الملكية التسلطية والإمارات التي تحكم باسم الله، وحيث الملك ظل الله لا يسمح بمحاكمته أو لمسه أو انتقاده، هذه الأنظمة تهاوت في الغرب منذ قرنين ونيف لصالح سلطة الشعب وسيادة الشعب على أرضه ووطنه.

فالديمقراطية لا تُبنى على قوانين دينية، بل على قوانين وضعية يقررها الشعب لأنه مصدر السلطات الوحيد. المعارضات في سورية تحولت إلى تنظيمات مسلحة تحكم المناطق التي سيطرت عليها باسم الدين الوهابي المتطرف أو الاخواني، وبالتالي لا تمثل مبدأ «سيادة الشعب»، بل مبدأ «سيادة الدين التكفيري» على الشعب.

ولعبت وسائل الإعلام العربية والتي في غالبيتها مرتهنة مالياً للمالك والإمارات الخليجية دوراً كبيراً في إثارة موضوع الديمقراطية وحقوق الإنسان، وكذلك فعلت وسائل الإعلام الغربية التي ظلت تضلل القارئ لسنوات عديدة.

ومن الملفت للنظر أن الأهداف الأميركية في القرن الواحد والعشرين تمحورت على القضاء على الجيش الوطني في سوريا والعراق، وبالتالي إنهاء حكم أنظمة علمانية تفصل بين الدين والدولة.

وبخلاف التجربة العسكرية لأتاتورك في تركيا، لم تهتم الجيوش العربية في تحديث مجتمعاتها بشكل جذري، وما زاد في الأمر سوءاً تفوّق «إسرائيل» ودحرها للجيوش العربية عام 1967، والدخول في مساومات مع العدو، وانحسار التيارين اليساري والقومي واستبدالهما بتحزبات دينية متشددة ومتزمتة، توّلت المملكة السعودية نشرها عبر بناء المساجد وإقامة المدارس الدينية التي تدعو إلى ممارسة الطقوس الوهابية المتطرفة.

لقد تغيّرت مجتمعات المشرق العربي من جراء ذلك، فمن منا لا يذكر أن ستينيات القرن الماضي مثلت انفتاحاً كبيراً وحرية شخصية خاصة بالنسبة للمرأة نفتقدها اليوم.

كم من المواضيع لا تجرؤ وسائل الإعلام على مناقشتها؟ السبب الآخر لتراجع التيار العلماني الوطني هو هجرة الأدمغة، فإما يغادر المثقفون إلى الغرب، أو تذهب النخبة المتعلمة الشابة إلى الخليج لأسباب اقتصادية، وبعد عودتها إلى بلدها الام تنشر المذهب الوهابي بين أقرانها وأولادها.

كما أن السعودية مدت نفوذها على مجمل الأراضي العربية عبر الرشاوى والضغوط والدعم الاميركي لها. وخضعت الأنظمة العربية بما فيها كيانات سوراقيا، وتحولت المدارس الرسمية من تعليم التربية الوطنية الى التعليم الديني، وهذا الأخير يديره إما سلفيون أو اخوانيون، يزرعون الكره والمقت والتعصب الأعمى بين مواطني البلد الواحد.

وها نحن بعد ثلاثين عاماً من تلقين الايديولوجية الوهابية نحصد حروباً أهلية لا حل لها إلا بالعودة إلى فصل الدين عن مؤسسات الدولة ونبذ الإسلام السياسي.

يأكل الإرهاب التكفيري الوهابي السلفي أبناء سوراقيا بالذات. هذا الإرهاب الذي يتكلم بلغة عربية لا أعجمية، تسلّطه دول عربية تعيش في ثنايا التاريخ، تسلّطه كالطاعون فتتحلل حضارة سوراقيا التي هي مزيج قوس قزح رائع تشكل من ألوان حضارات وأديان عديدة، بدءاً من بابل وسومر، بدءاً بالاحتفاء بالآخر المختلف، المتواجد على أرضنا نكرمه، وتُكرّمه كاهنات المعبد كما تذكر ملحمة «جلجامش»، فيصبح واحد منا. حضارة احترمت المرأة ونصبتها ملكة، فيما افلاطون وضعها في أدنى مرتبة.

العلمانية تعني قبول واحترام التنوع ضمن الوطن الواحد، وتعني إنشاء مؤسسات عامة تقوم على مواكبة التطور العلمي والتكنولوجي، وتقوم على قوانين عقلانية وضعية تجد حلولاً للتحديات التي يواجهها المجتمع؛ وتعني حرية الفرد في اختيار عقيدته ومبادئه ومكان إقامته من دون قمع من الآخر الذي يشاركه الوطن، وتعني أيضاً أن للمواطن الحق في تقرير مصيره ومصير أمته، لا أن يكون تابعاً لعنصرية طائفية هدامة لن تقوده إلا للموت والزوال.

لا يوجد ألبومات صور مرتبطة بهذا المقال
news Image
2017-12-05 15:35:20

كرمت نظارة التربية والشباب في منفذية السويداء طلبة الحزب الناجحي-المزيد-

news Image
2017-12-06 13:19:57

شاركت منفذية السويداء بافتتاح المعرض الفني الذي نظموه مجموعة من ف-المزيد-

news Image
2017-11-07 15:39:18

زارت غادة معروف ناموس مديرية طرطوس الأولى جرحى الجيش السوري البطل-المزيد-

news Image
2017-11-28 11:25:11

بدعوة من #الحزب_الشيوعي_الموحد شاركت منفذية طرطوس في الحزب السوري -المزيد-

news Image
2018-10-25 13:02:18

بمشاركة مئتي مندوب من كافة المنفذيات، تنطلق في تمام الساعة الثان-المزيد-