حياة الزعيم الفترة بين 1947-1949 Notice: Undefined variable: fbimg in /var/sentora/hostdata/ssnp-syz/public_html/ssnp-sy_com/views/article_template.php on line 25
حياة الزعيم الفترة بين 1947-1949

مصاعب العودة بدأت في المهجر ذاته، فلم يكن بإمكان السفارة الفرنسية في الأرجنتين إعطاء تأشيرة سفر لأي لبناني إلا بأمر وإذن من وزارة الخارجية اللبنانية. وعودته إلى الوطن لم تكن مسألة هينة ولا روتينية. لذلك أحاطها بكثير من الاهتمام والإدراك للوصول إلى خلفيات كل الأمور التي تترتب العودة عليها. فكانت شغل رسائله الشاغل بعدما علم أن اسم الحزب اختصر وأن العلم تبدل في المركز ببيروت. لذلك، نراه يؤكد قائلاً أن "أمر عودتي إلى الوطن يتوقف على بحث هذه النقطة مع المجلس الأعلى، وعلى التقارير التي ستردني من المجلس موضحة الحالة الراهنة هناك". وأن القراءة المتأنية لاهتمام سعاده ببعض التفاصيل المتعلقة بعودته تظهر أن لديه شكوكاً حول موقف بعض قياديي الحزب من عودته ومن التزامهم بعقيدة الحزب ومبادئه. وأخيراً، حصل على الفيزا وبدأ مرحلة البحث عن مقعد في طائرة في المطار، وبعد إجراءات وصعوبات وتنقل بين شركات الطيران، يحصل سعاده على مقعد في طائرة "عبر العالم" المتوجهة في الساعة الرابعة بعد الظهر إلى مدريد، ومن هناك يتابع معها إلى الجزائر، ثم إلى تونس فطرابلس الغرب وأخيراً يصل القاهرة في الساعة الحادية عشرة ليلاً ليجد "الأمين نعمة ثابت والرفيق أسد الأشقر" في استقباله في فندق "شبرد" متوقعين وصوله إلى بيروت صباح السبت في الأول من آذار (مارس) 1947، ولكنه لم يصلها إلا يوم الأحد في الثاني من آذار. عن الفترة ما بين وصوله وبين اغتياله بقرار قضائي صوري، تم نشر مؤلفات ومقالات ودراسات كثيرة لا تزال متوفرة، لذلك سأمر عليها باختصار جداً لأن ما قبل عودته وحتى ولادته وتأسيسه الحزب لا يزال مجهولاً لمعظم المهتمين بالحزب وتاريخه.

تنظيم الاستقبال

وصل سعاده إلى مطار بيروت في يوم دافئ، مشرق مشمس جميل. وعند مفرق كل طريق من الطرق الموصلة إلى بيروت من الشمال والجنوب والشرق ومن مفارق الطرق الموصلة من داخل المدينة إلى المطار الدولي القديم في منطقة "بئر حسن"، تقف لجنة تنظيمية حزبية تعطي لكل وفد رقمه وتعليمات الاتجاه، وبعدم تجاوز أي وفد آخر مع تحديد مكان وقوف الباصات الناقلة لأعضاء الحزب، ومع كل لجنة تنظيمية سيارة مكشوفة تنتقل من مكان الى آخر. على مدخل الطائرة شاهدناه يلوح بيده وعرفنا للتو أن الرجل الواقف إلى جانبه هو فوزي القاوقجي. وعلى الطائرة نفسها وصل الموسيقار فريد الأطرش. وإلى طرابلس عاد على الطائرة الطالب في جامعة القاهرة رشيد كرامي. وحتى اليوم، لم يكتب أحد ولم يُذكر شيئ عن مصادفة القاوقجي مع سعاده في الطائرة، وما إذا جرى حديث متبادل بينهما.

الاستقبال التاريخي

شكل "القوميون حاجزاً طويلاً يتماسكون بالأيدي لكي تبقى الطريق إلى المطار حرة في بيروت. والحرس المكلفون بالحماية يطوقون بسياراتهم المكشوفة كل المنافذ". ووثق الاستقبال في فيلم سينمائي الرفيق يوسف فهدة، نقل فيما بعد إلى شريط فيديو، وقد تميز استقبال سعاده عن غيره من المهرجانات السابقة بأنه كان "الأول في العدد والإعداد".

الملاحقة

في المساء نامت بيروت على سيرة سعاده واستقباله وخطابه، أما حكام بيروت فلم يغمض لهم جفن. ذلك كان ليلهم الطويل. ولعل هذا التنظيم الغريب عن الساحة العربية، أيقظ فيما أيقظ عيون وانتباه المتربصين بالأمة، إلى وجوب وضع حد لانتشار حزب يعلّم الناس النظام والطاعة، ويحاول اختصار هوة التمدن بيننا وبين الغرب. فكيف إذا كان التنظيم عاماً، شاملاً فلسطينيين وأردنيين وشاميين ولبنانيين بكل ما فيهم من طوائف ومذاهب؟. لذلك فلا بد من وضع حد لانتشاره واعتقال زعيمه. وبدأ التنفيذ في الساعة الحادية عشرة ليلاً، عندما حضر رجال الأمن إلى حيث يقيم سعاده لإلقاء القبض عليه بعد مرور أربع وعشرين ساعة على وصوله إلى الوطن، ولكن الاحتياطات المسبقة حالت دون وصولهم الى مآربهم.

إدارة المعركة

وتستمر ملاحقة سعاده لتنفيذ مذكرة الإحضار. وكذلك يستمر هو في الوقت ذاته بتوجيه سياسة الحزب من مقره في الجبال بشكل طبيعي عبر اتصاله المستمر بالإدارة المركزية. يطلع من خلالها وبشكل دائم على التطورات السياسية في البلاد. ويتواصل مع الرأي العام ويوجه الحزب في "سياسة رشيدة صلبة قوية". أما الأسباب الظاهرة لملاحقة الحكومة للزعيم، فتعود إلى اتهامه بأن خطابه تضمن مسّاً بـ"الكيان اللبناني". مذكرة التوقيف ألغيت في التاسع من تشرين الثاني 1947. ومعنى "ألغيت" يعني أن الاتهام ذاته قد ألغي وأسقط. وافتضح الغرض من أنه كان مجرد غطاء لإبعاد سعاده ولو مؤقتاً عن الساحة السياسية والقومية وعن مباشرة السلطة في الحزب، تمهيداً للقضاء عليه نهائياً تحت أي سبب أو مبرر. نزل سعاده إلى قيادة الحزب في بيروت "وأعلن النفير العام. وعندها فقط شعر القوميون بأن فترة الراحة والتحالف مع السلطة دفنت في بئر الماضي". وهنا لا بد من الإشارة إلى أن فترة ملاحقة سعادة تميزت بمعالم مهمة أعطت مغزى كبيراً بالنسبة إلى الظروف التي نشأت فيها، ونشرت ظلالها على الحياة السياسية والإعلامية اللبنانية، احتل الحزب خلالها عناوين الصحف مرة ثانية، كما حدث عند اكتشافه عام 1935.

طرد ثابت وأياس

في 13/8/1947 أصدر سعاده قراراً حزبياً شجاعاً بتجريد نعمة ثابت ومأمون أياس من "رتبة الأمانة" وطردهما من الحزب. ويومها لم يلحق بهما من أعضاء الحزب سوى اثنين فقط. وقد اعتبر البعض أن ما حصل مغامرة وقفزة في الهواء أن يطرد سعاده من كان رئيساً للحزب في غيابه طوال عشر سنوات، وانتمى أكثر من نصف أعضاء الحزب في الكيانات السورية إلى الحزب خلالها. ولكن سعاده كان واثقاً أنه على حق. بدأ سعاده نشاطاً حزبياً إدارياً ثقافياً سياسياً مميزاً، فأعاد ترميم الأجهزة الإدارية بما يتناسب مع الإمكانات المتوفرة. وأحيى الندوة الثقافية سياسياً بالمحاضرات الشهيرة باسم "المحاضرات العشر" وفيها شرح عقيدة ومبادئ الحزب، وصار الإقبال على الانتماء واسعاً، حيث لفت الأنظار وخاصة في منطقة بيروت وعائلاتها السنية. ما دفع بسعاده لزيارة المناطق فزار البقاع وعين زحلتا والكورة، كما زار العديد من المناطق في الجمهورية الشامية. ركز سعاده هدفه الأولي والمهم على إيجاد "مركز نفوذ" للحزب في لبنان، يكون منطلقاً إلى الكيانات الأخرى تبشيراً وتوسعاً. في "الإعداد السلمي لاستلام الحكم، أو الاشتراك فيه" فيكمل ما بدأه في الثلاثينيات من تدريب وتحضير". من المهم أن يعرف القراء وأعضاء الحزب أن النشاط الهائل والضخم لعجلة الحزب الدائرة بقوة عنيفة من دون توقف ما كانت تعتمد على غير موارد الحزب الذاتية من اشتراكات. وهبات يبعث بها رفقاؤنا في المهجر. فإذا عرفنا كيف كانت أحوال أعضاء الحزب المالية والمادية بشكل عام، تأكد لنا أن ما قام به الحزب في تلك الفترة، بل طوال وجوده، قياساً على وضعه المالي يدخل في باب المعجزات، لذلك فإن الفرق بين ضخامة الإنتاج والعمل وبين قلة الموارد كانت تغطيه التضحيات النادرة من جبابرة النهضة وجنودها المجهولين، في إعطائهم الحزب كل دقيقة من حياتهم، فليس مبالغة إطلاقاً تشبيه وضع الحزب وأعضائه بخلية النحل "لا مكان فيها للكسول". وحتى بيت الزعيم ذاته "اقتصر دخله على ما كانت تستلمه زوجته من أهلها في الأرجنتين". ولم يكن ذلك كافياً لسد حاجات العائلة والضيافة.

الجولات الحزبية

يروي بشير موصللي: في 12/3/1948 وعند مفرق شارع بيروت، كنت مع حسن جمال باكراً منتظراً قدوم الزعيم في زيارة خاطفة لدمشق، أدقق بسيارة لبنانية زرقاء. وفجأة تقف السيارة وفيها سعاده ونحن بانتظاره. وجلست على يساره حتى مكتب الحزب في شارع كرجية حداد– 29 أيار– حيث لعب كرة الطاولة مع جميع الموجودين لبضع دقائق قبل انصرافه إلى مواعيده. وبقي في دمشق حتى المساء. وأثناء النهار تناول الغداء في دار الوجيه نسيب سكر والد الرفيق رياض، بحضور وزير الدفاع أحمد الشرباتي، بناء على موعد مسبق. أهم جولات سعاده الحزبية عام 1948 بدأها في الصيف من دمشق وجرى له استقبال حافل وضخم في ناحية دمر على الطريق العام. وبعدما استراح في مكتب الحزب ينتقل إلى منزل عصام المحايري المنفذ العام ليطلع على برنامج الزيارة ويعطي توجيهاته بحضور معروف صعب وسامي الخوري وبشير موصلي وبقية الوفد المرافق له.... حول ترتيب الزيارات واللقاءات السياسية، وفي المساء حلّ ضيفاً في منزلنا بحي المهاجرين– ناظم باشا. في الثالث من تشرين ثاني 1948، طوال فترة زيارته. الوضع في الحي وحول البناية مريح ومؤمن. وقد مكث عندنا اثني عشر يوماً حتى الثاني عشر من تشرين الثاني، حافلة باللقاءات والمقابلات مع شخصيات علمية وأدبية وسياسية وحزبية. تخللتها دعوات لسعادة، منها دعوة عفيف "بك" بيهم وحضرها نبيه "بك" العظمة رئيس "الحزب الوطني"، وصبري العسلي (وزير الداخلية يومها) والنائب السابق أبو الهدى الحسيبي. وفي مرات أخرى أقيمت دعوات وسهرات عدة عند معروف صعب عصام المحايري وبشير موصلي ومظهر شوقي وصبحي فرحات وجورج غناجة.

اللقاء مع حسني الزعيم

أول لقاء له مع حسني الزعيم تم بحضور أديب قدورة، ركز فيه حسني الزعيم على بشارة الخوري ورياض الصلح وأهل الحكم في لبنان، متجاهلاً كارثة فلسطين والنكبة، التي لم يأت على ذكرها خلال تدفقه بالحديث عن انقلابه، وعن موقف حكومة لبنان السلبي منه. وينتهي ليأخذ سعاده منه دفة الحديث منطلقاً من أصل العلّة، متعرضاً إلى السبب الأساس في كل ما وصلنا إليه وما نحن فيه: "معاهدة سايكس- بيكو، معتبراً إياها السبب الأصلي، الذي بسببه قامت الصهيونية وتقسمت الأمة السورية الواحدة إلى دول كالعراق والشام والأردن وفلسطين ولبنان والكويت.... وبسببه أيضاً سلخ لواء اسكندرون ولم نعرف كيف نطالب ونثبت حقنا بقبرص والأهواز". إنه رجل المبادئ والعقيدة، وأول من نادى بتوظيف "السياسة في خدمة المصالح القومية العليا للأمة". فيعلن لحسني الزعيم "بأن مبادئ الحزب الأساسية منها والإصلاحية، كفيلة بأن تنهض بالشعب ليعرف نفسه ومصالحه ويكوّن إرادته بعد درسها واقتناعه بها".

رحلة الوداع

"رحلة الوداع الأخير" لم تقتصر على دمشق، بل إنها واحدة من "المحرضات" الظاهرة في التأثير على السلطة اللبنانية لتضع حداً لهذا العملاق المتعاظم خطره يوماً بعد يوم على الشام، كما على لبنان. فتابع الرحلة إلى حمص بعد دمشق ووصلها في أجواء حزبية وشعبية حارة. وفي ذلك الجو الحماسي الرائع، ما كان للمناسبة أن تمر من دون اجتماع حاشد، ألقى فيه سعاده كلمة قال فيها: "أنتم هذه الفئة القليلة في مدينة حمص، أنتم جزء من نهضة هي أروع نهضة يراها القرن العشرون، ليس فقط في بلادنا بل في العالم أجمع. لم يقم حزب في العالم كله في هذا الزمن واجه من الصعاب ما واجهه الحزب السوري القومي الاجتماعي وقدر أن يثبت ويتغلب عليها".

في حماه وحلب

وغادر الزعيم حمص في السابع عشر من تشرين الثاني إلى حماه. وفي حماه وضع خاص. حيث يواجه الفرع الحزبي أوضاعاً داخلية معقدة بعد طرد أكرم الحوراني وتأسيسه "حزب الشباب" من بعض أعضاء الحزب القومي، مثال خليل كلاس وغيره... عدا عن الجو الديني والإقطاعي المسيطر، والتكتل السياسي الرجعي. فلم يستكمل التنظيم مداه الحقيقي بعد. بدأ الاستقبال عند ناحية الرستن على بعد حوالي خمسة وعشرين كيلو متراً من حماه، ليصل الزعيم إلى مقر إقامته. ومن ثم إلى لقاء حشد من الطلاب جاؤوا خصيصاً للتعرف على الحزب. يبقى سعاده في حماه يومي 17 و18 ويغادرها في التاسع عشر إلى حلب، ليجد في استقباله موكباً للسيارات بقضاء معرة النعمان، على بعد حوالي ثمانين كيلومتراً من حلب. فتوقف للاستراحة ولقاء الدكتور راتب حراكي، وبعض المسؤولين، متابعاً طريقه مع سياراتهم إلى حلب. وفي حلب يختلف الأمر عن حماه، فالحزب هناك راسخ القواعد ولم يمر بأزمة داخلية كما في حماه، وانتشاره واسع في مختلف الأوساط. بعدما يستعرض سعاده صفوف القوميين محيياً عند مدخل حلب، يتابع سيره بالموكب الضخم إلى قلب المدينة فقلعة حلب المشهورة، ويطوف حولها حسب البرنامج وسط ذهول المتفرجين من هذا الموكب الكبير المنظم وأعلام الزوبعة الحمراء، فيما لم تشهده حلب من قبل بهذه الكثافة للحزب. في اليوم السابع من زيارته لحلب يرجع إلى حماه تلبية لدعوات ملحة، ويلقي فيها محاضرة شاملة عن "القضية العربية" وعن "القومية السورية" قبل أن يرجع. ثم يعود إلى حلب ليجد بانتظاره وفوداً كبيرة من محافظتي دير الزور والجزيرة في استقباله بعد الإعلان عن عدم تمكن الزعيم من زيارة المحافظتين. بسبب ضغط الوقت وبرنامج زيارة اللاذقية الحافل الحاشد بالسيارات والدارجات النارية.

النشاط في اللاذقية

دخل سعادة اللاذقية ماراً بشوارعها حتى مقر إقامته في دار عبد الغني إسرب، وهو من وجهاء اللاذقية الكبار ووالد الرفيق عبد القادر إسرب. بدأت الاستقبالات عشية ذلك اليوم من خلال مأدبة عامرة ضخمة في المنزل، حضرتها شخصيات سياسية وحزبية وأصحاب الصحف ومراسلوها، ونشرت جريدة "الإرشاد" تفاصيل المأدبة والشخصيات التي حضرتها ودعا كثير من الرفقاء الزعيم وفي مقدمهم فؤاد الشواف وجميل مخلوف في "بستان الباشا"– (بستان سعادة) القريبة من اللاذقية، حيث ألقى كلمة نشرت مع بقية خطب سعادة فيما بعد. أثمرت زيارة سعادة للمنطقة المتأثرة بالمفاجآت العشائرية تحرر الكثير من الشبان والشابات وتضاعف عدد أعضاء الحزب عشرات المرات بعد الزيارة، وغرست فيها بذوراً لا تزال تتفتح حتى اليوم.

إلى بانياس وطرطوس وصافيتا

في طريق عودته إلى لبنان، قام سعادة بزيارة كل من بانياس وطرطوس وصافيتا. وكما في كل مكان كانت الدراجات والسيارات تستقبله على مداخل ومخارج البلدات. غادر سعاده طرطوس في موكب كبير من السيارات باتجاه صافيتا البعيدة مدة نصف ساعة. وفي رأس "الخشوفة" تلاقت سيارات طرطوس المودعة مع سيارات صافيتا المستقبلة. لم يترك سعاده المناسبة تمر من دون أن يزور قرية بعمرة المجاورة، وفيها الرفيق المناضل المرحوم الشيخ إبراهيم عبد الرحيم، مؤسس العائلة القومية الاجتماعية المعروفة في بعمرة.

الطريق للمؤامرة

يواظب سعاده على مكتب الجريدة في الجميزة، بعد عودته من الجولات ليكتب مقاله الرئيسي ويسير العمل طبيعياً في الجريدة. "ولم يمض أكثر من نصف ساعة على وصول سعاده إلى مكتبه بالجريدة صباح التاسع من حزيران حتى سمع أصواتاً صاخبة مرتفعة آتية من المقهى الواقع في الزاوية المقابلة لمبنى الجريدة. ويخص أحد أعضاء حزب "الكتائب اللبنانية". وتسارعت الأحداث بعد وصول سعاده إلى بيته وأخذت الأخبار ترد تباعاً: أعداد من حزب "الكتائب" تهاجم مكاتب جريدة "الجيل الجديد" وتضرم النار فيها ووقوع جرحى ومعتقلين. عاد جبران جريج من مهمته وأدلى إلى سعاده بما لديه، عن خطورة الوضع، فعدل عن زيارة الجرحى في المشفى. وفي عجلة فائقة، أفرغ أدراج المكتب وتمنطق بمسدسه وغادر مع إدمون طوبيا بسيارة يوسف سلامة. وبدأت الاعتقالات قبل منتصف الليل بتطويق المنطقة، من قوى الجيش والدرك والشرطة والمصفحات والسيارات... فاضطر سعادة إلى مغادرة لبنان في غياب إمكانية لجوئه إلى معاقل محصنة، يحرسه أعضاء الحزب ويحمونه كما في تشرين 1947. بسبب اختلاف الظروف. بقي سعاده في بيروت أربعة أيام وصباح الثلاثاء في الرابع عشر من حزيران 1949 وصل إلى دمشق خفية. وأقام في منزل نجيب شويري في "بناء كسم وقباني" الكائن اليوم على امتداد "مجلس الشعب"، وبعد حديقة المجلس، ويفصلها عنه الطريق العام الممتد من رأس شارع الحمرا (جنوباً) حتى "نزلة التجهيز" باتجاه طريق بيروت عند فندق "الفورسيزن" اليوم. في دمشق، اجتمع سعاده بحسني الزعيم حوالي الساعة، وحينما خرج من الاجتماع كان باسماً هادئاً. كما يروي الدكتور صبري القباني (الشاهد العيان) معلناً أن تفاصيل اجتماع سعاده مع حسني الزعيم رواها سعاده له بنفسه، وليس ذلك غريباً بعدما تبين لسعاده أنه "من الكفر أن يبقى الدكتور قباني بعيداً عن معرفة ما دار من بحث مع حسني الزعيم". وهو الذي كان صلة الوصل والصادق المخلص بتعامله مع الحزب وزعيمه. وخلاصة القول، أن سعاده طلب من حسني الزعيم التعاون المشترك فوعده حسني الزعيم أنه سيوعز إلى الحدود لتقديم المساعدات الممكنة إلى رجال الحزب في غدوّهم ورواحهم.

الهدف رفع الضغط

لا يدرك موقف سعاده ولا يدرك أبعاد محاولة الاستعانة بحسني الزعيم من لم يتوفر له الأفق العسكري والسياسي والاستراتيجي الكافي، ليقرأ التاريخ بمعانيه وقواعده معطياته وحوافيه وبطونه، لا بسطحيته وظواهر بعض الأعمال. لأن كل ما قام به سعاده في ذلك الوقت يصب في خانة رفع الضغط عن القوميين، ولو كلفه ذلك حياته لينجو الحزب. وقد تمكن سعاده فعلاً من تخفيف الضغط ووقف التعذيب عن القوميين بلبنان بعدما قدّم دمه. بعد أيام طرأ عامل جديد زاد في ظروف الحزب السيئة سوءاً، باستقالة الوزارة في الشام، وهو ما يسميه الدكتور قباني "توالت الحوادث سراعاً"، فرجع محسن البرازي من مصر ليحل الأزمة اللبنانية السورية. وبدأ المقدم الحسيني ينكمش عن زيارة سعادة في مقره يومياً خلافاً لعادته.

الثورة

كانت شمس الاثنين الرابع من تموز 1949 تشرق والزعيم يرتجل خطابه في ذلك الركن المنعزل القريب من دير العشائر في أول نقطة التقاء عند "الحدود" بين الشام ولبنان. مخاطباً الرفقاء المتطوعين لتنفيذ إعلان الثورة القومية الاجتماعية الأولى لتحرير رفقائهم وإنقاذ عائلاتهم. ولم تكن ثورة للاستيلاء على السلطة كما تأكد ذلك في بيانات سعاده إلى الشعب. كنا قد أصبحنا على بعد يومين أو ثلاثة من الموعد المحدد لبدء العمليات العسكرية الهادفة إلى إرغام رياض الصلح على تبديل مخططاته تجاه الحزب، ولذلك سبق إعلان الثورة صدور بيان في 16 حزيران 1949 حمل عنوان "إلى القوميين الاجتماعيين والأمة السورية" وجرى توزيعه في لبنان على نطاق واسع. في السادس من تموز 1949 وبعد فشل ثورة الحزب السوري القومي في لبنان، طلب المقدم ابراهيم الحسيني من أنطون سعاده مرافقته لمقابلة حسني الزعيم. وقبل المصنع كان الأمير فريد شهاب، مدير الأمن العام اللبناني، بانتظار سعاده، حيث استلمه من المقدم الحسيني واقتاده إلى لبنان، ليحاكم ويحكم عليه وينفذ الحكم فيه خلال ثلاثة وثلاثين ساعة من لحظة اعتقاله في القصر الجمهوري بدمشق حتى تنفيذ الإعدام -الاغتيال-. فجر اليوم الثامن من تموز 1949 نُفذ حكم الإعدام في لبنان بالزعيم أنطون سعاده، بعد محاكمة صورية أقيمت على عجل واستمرت ساعات قليلة، لتبدأ مأساة الحزب السوري القومي الاجتماعي التي دبرها الأميركان والصهيونية العالمية وأسهم في تنفيذها حكومات لبنان والشام والسعودية ومصر وبعض الأدوات الأخرى.