دور الجيش السوري العابر للطوائف (الجزء الأول).

2016-05-07

السلطنة العثمانية الدينية تاريخياً، وقعت سوراقيا تحت الهيمنة العثمانية لمدة خمسة قرون، حكمت فيها هذه الأخيرة عبر نظام تيوقراطي يقسّم السكان بناء على ملّتهم وطائفتهم لا بناء على تواجدهم الجغرافي.

فالسلطنة العثمانية اعتبرت نفسها ممثلة للدولة الإسلامية السنية ولمبدأ الخلافة، ما سمح لرجال الدين من مختلف الملل بالسيطرة على مصيرها؛ وهم لا يزالون يسيطرون بعد مرور أكثر من قرن على زوال الإمبراطورية العثمانية، عبر قوانين الأحوال الشخصية، وعبر الاستحواذ على القضاء وعلى التشريع، وعلى مجمل مؤسسات المجتمع من مدرسة، ومشفى، وجمعيات خيرية، ودور عجزة.

والمؤسف أن كيانات سوراقيا لا تزال تخضع، كما دول العالم العربي قاطبة، لمبدأ الطوائف الديني وترفض مبدأ المواطنة، وهي ما تزال تعتبر السكان «رعايا» كما تُظهر جميع الاستمارات والأوراق القانونية التي نوقعها حين نغادر أي كيان من كيانات سوراقيا أو حتى الدول العربية الأخرى، و«الرعية» لا صلاحية لديها، ولا يحق لها تقرير مصيرها، وهي مفعول به وليست فاعلاً، ويوضح المرادف الانكليزي لكلمة الرعية هذا الوضع تماماً: (patronage, custody, guardianship)، فنُعامل وكأننا قُصّر، لا نزال تحت سن الرشد.

تنخر كيانات سوراقيا المشاحنات الطائفية الدينية والعرقية، ولا إمكان لتغيير انطلاقاً من القاعدة الشعبية، فهي غير موجودة، ولا نظرة موحّدة لديها حول من هو الخصم أو العدو، ومن هو الصديق، فالخصومة والصداقة مرتهنة لحساب مصالح الملة.

انطلاقاً من رؤيته الدينية يرفض الوهابي كما السلفي مفهوم الدولة القومية ومفهوم المواطن، ومفهوم المساواة والإخاء ضمن حيّز جغرافي واحد يجمع ويوحد، ويستبدلها بإخاء ومؤازرة السلفيين الآخرين بمعزل عن هوياتهم القومية.

هكذا لا يرى السلفي السوري أي غضاضة في دعوة الأجنبي لنصرته على أساس انتمائه الطائفي؛ وما يُعتبر خيانة من منظور الدولة الوطنية/ القومية، هو تعامل طبيعي وبديهي للمؤمن بالرباط الديني دون سواه.

فأولوية الرابط القومي على الرابط الديني يعني إلزاميا الولوج في فضاء الحداثة والدولة الحديثة التي تبني مؤسساتها على التشريع العقلاني المواكب لتطور المجتمع الذي يدين للدولة القومية بولائه قبل أي انتماء آخر.

نشطت مع نهاية الحرب العالمية الثانية الأحزاب الوطنية/ القومية في كل أنحاء كيانات سوراقيا، وأخذ السكان يتطلعون إلى هذه الأحزاب على أنّها المعبر للوصول إلى الدولة العلمانية الحديثة التي ستفصل بين الأمور الدينية وأمور الدولة.

وساهم في هذا المنحى انتشار التيار اليساري بدعم من الاتحاد السوفياتي. استطاع حزب البعث في سورية والعراق من الوصول إلى السلطة عبر الجيش، كما تبوّأ الجيش السلطة أيضاً في مصر وليبيا والجزائر باسم القومية العربية.

ذروة التيار الوطني/ القومي العلماني إذاً، حصلت حين كان الجيش ممسكاً بزمام الأمور. ومن اللافت للنظر أنه بالرغم من أن النظام في لبنان لم يتبع نظاماً عسكرياً إلا أنّه لم يقم بتطوير نفسه، وبقي سائراً على خطى النظام الطائفي العثماني مع قلب التراتبية من سنّي إلى ماروني عام 1943، ثم سني مرة أخرى مع نهاية الحرب الأهلية وتوقيع اتفاق الطائف، أي الدستور الجديد.

تدخّل الجيش في الأمور السياسية يجب أن يكون ظرفياً ومؤقتاً بقاء لبنان في حال الطائفية السياسية يظهر أن «الديكتاتورية» ليست السبب في إلغاء «الديمقراطية»، بل ثمة أسباب مجتمعية لذلك مردّها أن المجتمع يقوده رجال دين، هم بمثابة أوليغارشية لن تتنازل عن نفوذها لصالح الشعب والمواطنة.

لم يتوحد الجيش في لبنان إلا بعد نهاية الحرب الأهلية حين صمم رئيس الجمهورية السابق العماد اميل لحود دمج الألوية ونزع الصفة الطائفية عنها.

التحول من نظام الدولة الدينية الإسلامية إلى الدولة القومية تزامن في تركيا مع انهيار السلطنة العثمانية، حين اعتمد أتاتورك على الجيش التركي الذي بُني على أسس قومية لتحويل تركيا بالقوة من مجتمع يهيمن على قراراته رجال دين إلى مجتمع يؤازر دعائم التشريع والقضاء المدنيين، ويقطع مع ماضي الدولة الدينية قطعاً تاماً وإلزاميا.

استطاع أتاتورك أن ينفذ خطته لأن العثمانيين الأتراك بادروا إلى تحديث الجيش بعد هزائمهم المتتالية أمام الغرب وروسيا، فتم إلغاء الجيش الانكشاري في القرن التاسع عشر، وحلّ مكانه جيش تركي ولاؤه للوطن.

هذا يعني أنّ عملية التغيير في تركيا نُفذت من قبل البنى الفوقية لا البنى التحتية كما حصل إبّان الثورة الفرنسية، أي أن التغيير لم يحصل طبقاً للنموذج الديمقراطي، وذلك لاختلاف الوضعين.

ففي فرنسا، ومن بعدها في جميع الدول الأوروبية، قاد المجتمع القومي العلماني الثورة وأسقط نخبة ارستقراطية تحكم الشعب باسم الدين. لهذا السبب لا نستطيع إسقاط المقاييس الغربية على تجربتنا لأن تجربتنا التاريخية مناقضة للتطور الغربي.

هناك المجتمع أسقط النخبة الحاكمة المؤلفة من الارستقراطية ورجال الدين؛ هنا، كما في تركيا، المجتمع مقسّم مِلِّيا، بينما الجيش هو العامل الموحِّد لأنه يستقطب جنوده من كل الفئات والأديان والطوائف والأعراق الموجودة على أرض الوطن.

بعد أن تبوأ السلطة حزب العدالة والتنمية برئاسة أردوغان، وإقصاء الجيش جانباً، نشاهد تحولاً ورجوعاً إلى الإسلام السياسي، فرئيس البرلمان التركي إسماعيل كهرمان يطالب بتغيير الدستور ليصبح «دينياً»، فتركيا كما يقول بلد مسلم، والعلمانية لا يجب أن تكون جزءاً منه، كما أن العديد من الحريات العامة والخاصة تم إلغاؤها باسم الشرع الإسلامي السني.

ينعت الإعلام الغربي الحكم العسكري بالاستبدادي أو الديكتاتوري، لكنه حين يفعل ذلك فإنما ينطلق من مقارنته مع مجتمع ديمقراطي موجود فعلياً وناشط على أرض الواقع، فهل هذا هو الوضع عندنا؟ تطورت الدولة القومية والديمقراطية في الغرب حيث يُفترض بالقرار أن يكون للشعب لا للفرد كما في النظام الملكي، أو للأوليغارشية، أو للتيوقراطية.

المشكلة أن لا سوراقيا، ولا الدول العربية الأخرى نجحت في إرساء إرادة الشعب فوق كل اعتبار، لأن رجال الدين هم الذين يتحكمون بالمجتمعات العربية باسم الشرع الإلهي، ما يعني أن إلغاء الديكتاتورية كما يطالب الغرب، لا يوصلنا إلى الديمقراطية بل إلى التقسيم الطائفي، وإلى إلغاء الدولة الوطنية/ القومية، كما جرى في العراق حين احتلت الولايات المتحدة الأميركية هذا البلد وأزاحت «الديكتاتور» باسم الحرية والديمقراطية، فماذا كانت النتيجة؟ الأمر نفسه ماثل أمام أعيننا في ليبيا التي تفتت الى عشائر وقبائل لانعدام الوحدة الوطنية؛ أما في سورية فإن صمود جيشها هو الذي منعها من الانقسام الى إمارات دينية وعرقية حتى اللحظة.

المصدر : الموقع الرسمي
الكاتب : صفية أنطون سعاده

إقرأ أيضاً
  • دور الجيش السوري العابر للطوائف (الجزء الأول).
  • دور الجيش السوري العابر للطوائف (الجزء الثاني).
  • «لأجلك سورية» القوميون الاجتماعيون يتبرعون بالدم دعماً لجرحى الجيش السوري الباسل.
  • القوميون الاجتماعيون في حلب في زيارة ميدانية للمناطق التي حررها الجيش السوري
  • منفذية السويداء تزورجنود الجيش السوري بمناسبة عيدهم
  • منفذية حماه الأولى تزور عدد من النقاط العسكرية لجنود الجيش السوري
  • رئيس الحزب الأمين جوزيف سويد في بيان له حول الغارة الصهيونية ورد جيشنا البطل: الجيش السوري عنوان البطولة المؤيدة بصحة العقيدة: وطن، شرف، إخلاص.
  • رئيس الحزب الأمين جوزيف سويد في الذكرى الثانية والسبعين لتأسيس الجيش السوري الباسل
  • تقديراً وإجلالاً لتضحياتهم منفذية حلب تكرم أبطال الجيش السوري
  • مديرية بانياس تعايد أبطال الجيش السوري في عيدهم
  • لا يوجد ألبومات صور مرتبطة بهذا المقال

    رأي ومقال

    العالم العربي /أزمة عقل- أزمة معارضة/

    أردوغان يخسر معركة الرقة قبل أن تبدأ

    اردوغان طموحاتك واحلامك على ارضنا ليس لها مكان

    في ذكرى يوم الفداء

    تموز مولد الحياة وسخاء العطاء

    فكرنا في حلقات

    المبادئ الإصلاحية /2/

    المبادئ الإصلاحية /1/

    المبادئ الأساسية /2/

    المبادئ الأساسية /1/

    يهودية الصهيونية