صفحات من الذاكرة القومية الاجتماعية: «التأسيس»

2015-07-01

تأسس الحزب السوري القومي الاجتماعي عام 1932 حين وضع انطون سعادة وحده وبمفرده قواعد النهوض بأمته وإعادة توحيدها بعدما درس تاريخها وأساطيرها وتكوينها الإثني.

مستنداً إلى القواعد العلمية في تعريف الأمة وعلاقة الإنسان بالأرض وأهمية تأثير الدورة الحياتية الاقتصادية الواحدة في الوطن الواحد، بعدما وقف على أسباب تجزئة وطنه وتقسيم شعبه والأزمات المحيطة بأمته في جميع شؤونها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، والأخطار الخارجية الحاّلة والراهنة المحيطة بها والتي ستأتيها وتواجهها في المستقبل ودور الصهيونية العالمية عبر الوكالة اليهودية والماسونية في تعميق التجزئة الحاصلة واستمرارها إن لم يكن زيادتها بتنمية الشعور بالكيانية والانتماء الطائفي من خلال إشاعة وتسويق روح الانهزام والشعور بالنقص المفضي إلى الاقتناع بالحاجة إلى أوروبا.

فتأسيس الحزب لم يأت بالطريقة التقليدية التي سادت تأسيس معظم الأحزاب وغالبيتها في العالم أي بتوافق وتلاقي عدد من المفكرين على تأسيس جمعية أو لجنة تضع مشروعاً لتأسيس حزب تحدد أهدافه ونظامه وقوانينه، بل جاء تأسيس الحزب السوري القومي الاجتماعي بناء على تعاقد بين سعادة صاحب الدعوة، والأعضاء المقبلين على الدعوة. وهنا يقول سعادة في رسالة وجهها من سجن الرمل في 10 ديسمبر 1935 رسالة إلى محامييه حميد فرنجية يشرح دوافعه لتأسيس الحزب فكتب يقول:

«كنت حدثا عندما نشبت الحرب الكبرى سنة 1914 ولكنني كنت قد بدأت أشعر وأدرك، وكان أول ما تبادر إلى ذهني، وقد شاهدت ما شاهدته وشعرت بما شعرت وذقت ما ذقت مما مني به شعبي، هذا السؤال: ما الذي جلب على شعبي هذا الويل؟، ومنذ وضعت الحرب أوزارها أخذت أبحث عن جواب لهذا السؤال وحل للمعضلة السياسية المزمنة التي تدفع شعبي من ضيق إلى ضيق فلا تنقذه من دب إلا لتوقعه في جب.

وكان إن سافرت أوائل سنة 1920 وقد بعثت الأحقاد المذهبية من مراقدها والأمة لما تدفن أشلاءها، ولم تكن الحال في المهجر أحسن إلا قليلاً، فقد فعلت الدعوات فعلها في المهاجرين فانقسموا شيعاً، وكانوا كلهم سوريين، ولكن فئة كبيرة منهم خضعت للنعرات المذهبية فنشأت أيضاً هناك الفكرة اللبنانية التي هي نتيجة بناء زعامة المؤسسات الدينية وسلطانها ونفوذها.

وبديهي أني لم أكن اطلب الإجابة على السؤال المتقدم من أجل المعرفة العلمية فحسب، فالعلم الذي لا يفيد كالجهالة التي لا تضر، وإنما كنت أريد الجواب من أجل اكتشاف الوسيلة الفعالة لإزالة أسباب الويل، وبعد درس أولي منظم قررت أن فقدان السيادة القومية هو السبب الأول في ما حل بأمتي وفي ما يحل بها، وهذا كان فاتحة عهد درسي المسألة القومية ومسألة الجماعات عموماً والحقوق الاجتماعية وكيفية نشوئها، وفي أثناء درسي أخذت أهمية معنى الأمة وتعقدها في العوامل المتعددة تنمو نموها الطبيعي في ذهني.

وفي هذه المسألة ابتداء انفرادي عن كل الذين اشتغلوا في سياسة بلادي ومشاكلها القومية، هم اشتغلوا للحرية والاستقلال مطلقين فخرج هذا الاشتغال من العمل القومي بالمعنى الصحيح.

أما أنا فأردت «حرية أمتي واستقلال شعبي في بلادي»، والفرق بين هذا المعنى التعينيي والمعنى السابق المطلق المبهم واضح، وكنت أحاول في جميع الأحزاب والجمعيات السورية التي اتفق لي الانخراط فيها أو تأسيسها أو الاتصال بها أن أوجه الأفكار إلى ما وصلت إليه فلم أوفق كثيراً، ويمكنني أن أعين موقفي بالنسبة إلى موقف المتزعمين السياسيين من قومي بأن موقفي أخذ يتجه رويداً حتى ثبت على الأساس القومي بينما موقفهم كان ولم يزل على الأساس السياسي، والسياسة من أجل السياسة لا يمكن أن تكون عملاً قومياً.

بناء عليه ولما كان العمل القومي الشامل المتناول مسألة السيادة القومية ومعنى الأمة لا يمكن أن يكون عملاً خالياً من السياسة رأيت أن أسير إلى السياسة باختطاط طريق نهضة قومية اجتماعية جديدة تكفل تصفية العقائد القومية وتوحيدها وتوليد العصبية «ESPRIT DE CORPS» الضرورية للتعاون القومي في سبيل التقدم والدفاع عن الحقوق والمصلحة القومية.

ولما كانت دروسي الاجتماعية والسياسية والاقتصادية قد أوصلتني إلى تعيين أمتي تعييناً مضبوطاً بالعلوم المتقدمة وغيرها، وهو حجر الزاوية للبناء القومي، وإلى تعيين مصلحة أمتي الاجتماعية والسياسية من حيث حالاتها الداخلية ومشاكلها الداخلية والخارجية وجدت أن لا بد لي من إيجاد وسائل تؤمن حماية النهضة القومية الاجتماعية الجديدة في سيرها، ومن هنا نشأت فيّ فكرة إنشاء حزب سري يجمع في الدرجة الأولى عنصر الشباب النزيه البعيد عن مفاسد السياسة المنحطة، فأسست الحزب السوري القومي الاجتماعي ووجدت فيه العقائد القومية في عقيدة واحدة هي «سورية للسوريين والسوريون أمة تامة».

ووضعت مبادئ الجهة الإصلاحية كفصل الدين عن الدولة وجعل الإنتاج أساس توزيع الثروة والعمل وإيجاد جيش قوي ذا قيمة فعلية في تقرير مصير الأمة والوطن واتخذت الصفة السرية للحزب صيانة له من هجمات الفئات التي تخشى نشوءه ونموه ومن السلطات التي قد لا ترغب في وجوده، وجعلت نظامـــه فرديـــاً في الدرجة الأولى مركزياً متسلسلاً «HIERARCHIQUE» منعاً للفوضى في داخله واتقاء نشوء المنافسات والخصومات والتحزبات والمماحكات وغير ذلك من الأمراض السياسية والاجتماعية، وتسهيلاً لتنمية فضائل النظام والواجب، وقد وضعت كل ذلك وأسست الحزب بصرف النظر عن وجود الانتداب أو عدم وجوده، فالحزب لم ينشأ خصيصاً لأن الانتداب موجود بل لجعل الأمة السورية موحدة وصاحبة السيادة على نفسها والارادة في تقرير مصيرها، ولما كان الانتداب أمراً عارضاً فان النظر في موقفه وموقف الحزب منه يأتي في الدرجة الثانية أو الطور الثاني السياسي، ولذلك فالحزب ليس مؤسساً على مبدأ كره الأجانب أو (chauvinisme) بل على مبدأ القومية الاجتماعية، وإما أن تطبيق الانتداب قد ساعد كثيرا على انتشار الحزب في مدة وجيزة وقوى الدوافع على إنشائه فذلك من المسائل الفرعية التي لها أهميتها المحدودة، وإذا كانت المسألة القومية تتجه بطبيعتها نحو تنازع البقاء بين السيادة القومية والانتداب فذلك امر من طبيعة القومية وطبيعة الانتداب».

لا بد من التركيز والتفصيل على بداية التأسيس وخطوته الأولى لان كل ما جاء بعدها من انجاز في تاريخ الحزب سببه الأسس والممارسات السليمة التي قام عليها التأسيس وخاصة ما تعلق منها بنظام الحزب واحترام الدستور كما يتبين لنا من أول تصرف وممارسة لزعيم الحزب في الأيام الأولى للتأسيس.

فعقب وضعه المبادئ توصل سعادة بعد جهد إلى تلمس قابلية ثلاثة أشخاص واحدهم جاء بثلاثة وكلهم من الجامعة الأمريكية في بيروت واحدهم أردني، وعن تلك المرحلة يقول سعادة: «رأيت أن استعين بهذا العدد غير المتجانس على القيام بالاختيار الأول لتأسيس الحزب، وبعد قليل من السير انكشف لنا أن الأردني يراوغ بالاشتراك مع رفيقه، فهو ما أنفك يتمسك بمظاهر الاختلاطات السياسية بدلاً من الأخذ بجلاء القضية القومية، والآخر ألقى قصيدة في دمشق تثير النعرة الطائفية، وكنت قد استوثقت من نزاهة الآخرين وإخلاصهم فجمعتهم وأطلعتهم على رغبتي في طرد الأردني ورفيقه من الحزب، ولما لم يكن قد وضع دستور رأيت أن يكون الطرد بصورة حل الحزب، فدعوت إلى اجتماع حضره الدجالان وأبديت لهم رغبتي في تأجيل العمل الحزبي إلى أن أكون قد وجدت استعداداً وتفاهماً تاماً بين الذين يرغبون السير معي، وأن عملنا قد انتهى وان كل واحد حر. وبعد أسبوعين عدت فجمعت الآخرين واعدت تأسيس الحزب منهم سراً، وكانوا كلهم نزهاء مخلصين وأكثرهم جدير بالأعمال التعميرية، وبناء على نزاهتهم وإخلاصهم وثقتهم، التي أخذت تتزايد بتزايد إيمانهم، اعتبرت الحزب السوري القومي قد تأسس نهائياً».

المصدر :
الكاتب : ssnp-sy.com

إقرأ أيضاً
  • احتفال التأسيس في منفذية اللاذقية
  • صفحات من الذاكرة القومية الاجتماعية: «التأسيس»
  • صفحات من الذاكرة القومية الاجتماعية: سعادة فـــــي المهجـــــر وعودته للوطن
  • صفحات من الذاكرة القومية: في العمل النضالي
  • صفحات من الذاكرة القومية الاجتماعية: بدء النشـاط بعد عودة سعادة للوطن
  • صفحات من الذاكرة القومية الاجتماعية: بداية تنفيذ خطط القضاء على الحزب واستشهاد سعادة
  • صفحات من الذاكرة القومية الاجتماعية: المحاولة الثانية لتصفية الحزب
  • صفحات من الذاكرة القومية الاجتماعية: المحاولة الثالثة لتصفية الحزب
  • صفحات من الذاكرة القومية الاجتماعية: عودة الحزب في الشام ولبنان إلى ساحات النضال
  • صفحات من الذاكرة القومية الاجتماعية: المرحلة الدستورية بعد سعادة
  • لا يوجد ألبومات صور مرتبطة بهذا المقال

    رأي ومقال

    العالم العربي /أزمة عقل- أزمة معارضة/

    أردوغان يخسر معركة الرقة قبل أن تبدأ

    اردوغان طموحاتك واحلامك على ارضنا ليس لها مكان

    في ذكرى يوم الفداء

    تموز مولد الحياة وسخاء العطاء

    فكرنا في حلقات

    المبادئ الإصلاحية /2/

    المبادئ الإصلاحية /1/

    المبادئ الأساسية /2/

    المبادئ الأساسية /1/

    يهودية الصهيونية