صفحات من الذاكرة القومية: في العمل النضالي

2015-07-01

بدأ الحزب نشاطه السياسي سرياً إلى أن انكشف أمره بداية 1936 واعتقل الزعيم وأعضاء مجلس العمد وعدد من الموظفين في الحزب، وأحيل إلى المحكمة الفرنسية «المحكمة المختلطة» في 1932/1/23.

وقف أنطون سعادة ليقارع قوات عظيمة ويقابل وحيداً الظلم والطاغية وليلقي على أتباعه دروساً في الإقدام والبطولة الخالدة ولينتزع الخوف من قلب شعبه ويعيد إليه ثقته بنفسه وبحقه في الحياة المثلى، وفيما يلي وصف لأجواء تلك المحاكمة التاريخية:

«كانت الحكومة قد أخذت استعداداتها لهذا اليوم فحظرت الدخول إلى دار القضاء على كل من لا يحمل وثيقة أو اذناً خاصاً يخوله ذلك، ووزعت فرق الدرك والشرطة في مركز المدينة وحول دار القضاء، وكل الذين رغبوا في حضور المحاكمة ولم تكن لهم في دار القضاء قضية يتخذونها حجة للدخول اضطروا لطلب مأذونية خاصة، ومع ذلك فقد غصّت قاعة المحكمة المختلطة بالناس، فكان عدد المحامين من أعضاء نقابتهم كبيراً وحضر عدد من رجال القانون والسياسة وجمهور كبير من الطبقات العليا وأفراد من جميع أوساط الشعب، وكان بين الحاضرين عدد قليل من السيدات بعضهن كان يتهامسن بالفرنسية ولما صارت الساعة التاسعة والنصف كانت الأروقة والممرات الملاصقة لقاعة المحكمة المختلطة قد صارت جسماً واحداً مرصوصاً من الناس.

تميز نضال الحزب عن نضال غيره من الأحزاب في وطننا وفي العالم العربي بمواجهة نوعين من الخصوم، أحدهما بمثابة عدو محض محتل للوطن: إنكليز في فلسطين والأردن والعراق وفرنسيون في الشام ولبنان،أمّا الخصم الآخر فلم يكن عدوا بل كان يناضل ضد العدو ذاته الذي كان الحزب يناضل ضده، ولكنه في الوقت ذاته أوجد حالة من الخصومة بينه وبين الحزب لعبت عوامل كثيرة في تغذيتها، ونمر عليها مروراً بعدما تجاوزها الزمن وزالت من النفوس والقلوب.

ففي الوقت عينه وفيما الحزب يناضل مع غيره من المواطنين والفئات والأحزاب الوطنية ضد الانتداب الفرنسي والحماية البريطانية، كان عليه أن يدافع عن نفسه إزاء الهجوم الشرس باتهامه بأنه عدو للعروبة من جهة وبأنه عميل للمحور والفاشية التي تخوض حرباً مع فرنسا وبريطانيا من جهة أخرى، وبين هذا وذاك كان عليه مواجهة هجوم رجال الدين ضده المحمديين والمسيحيين بأنه حزب ملحد لا يؤمن بوجود خالق واحد للكون ويتنكر للأديان والرسل.

شدة الهجوم وعنفه على الحزب سببها السرعة الكبيرة الهائلة لانتشاره على معظم أرض الوطن المحدد جغرافياً في مبادئ الحزب، فعقب المحاكمة الشهيرة في كانون ثاني تحول عدد المئات من أعضائه إلى ألوف تمتد من فلسطين في الجنوب عابرة الأردن إلى الجزيرة في شمال الشام، ومن الشرق إلى الغرب يعدون في كل مدينة وبلدة مئات وأحياناً عشرات تضم المحمدي والمسيحي والموحد أي السني والماروني والشيعي والدرزي والاورثوذكسي والكاثوليكي ولم يبق مذهب أو طائفة إلا وتمثل في الحزب مهما كانت جذورهم الإتنية والعرقية والقبلية، فزخرت صفوف الحزب في كثير من المناطق بأعضاء جذورهم الإتنية كردية أو شركسية أو أرمنية أو آشورية وإن لم تتجاوز نسبتهم داخل الحزب نسبة تعدادهم بالنسبة لسكان البلاد، فالانتشار فتح عيون الجميع نحو هذا الحزب الجديد الفتي الغض ينتصب فجأة عملاقاً بين الأحزاب العريقة والقديمة تتصدر أخباره ونشاطاته الصفحات الأولى من الجرائد وهو في صراع دائم مع قوات الانتداب، ملاحقات ومطاردات وسجون، كما غيره من المناضلين في الأحزاب والحركات الوطنية الأخرى في ذلك الزمن.

لم يكتف سعادة بمواجهة سلطات الانتداب والحماية على أرض الوطن، بل تخطاها إلى عصبة الأمم فقدم مذكرة لها حول قضية الاسكندرون بتاريخ 14 ديسمبر كانون أول 1936، وردت عليها عصبة الأمم بأنها تعتبر المذكرة شكوى على الدولة المنتدبة، وأن اللجنة لا يمكنها أن تنظر في مثل هذه الشكوى، وتابع الحزب تقديم الدراسات والمذكرات إلى الأمم المتحدة والجامعة العربية.

وخلال الحرب العالمية الأولى أمضى القياديون الحزبيون النصف الأول من الأربعينات في سجن المية ومية بتهم مختلفة، منها ميولهم نحو ألمانيا وإيطاليا –كما غيرهم من السياسيين المعتقلين– وعندما خضعت فرنسا للاحتلال الألماني لم تفرج عنهم سلطات الانتداب التابعة لها في لبنان.

وفي الوقت ذاته كان أعضاء الحزب في فلسطين يشاركون في العمليات الثورية، ويقومون بأعمال التخريب ضد القوات البريطانية في أي حقل أو مجال كانوا يعملون فيه وبشكل خاص محطة القطارات المركزية التي نسفوها بعد تحميل القاطرة الأمامية بالمتفجرات، وعندما تمكن الصهاينة من إقامة دولتهم بقرار من الأمم المتحدة كانت دورياتهم تحمل أسماء عدداً من أعضاء الحزب تفتش عليهم في قراهم بقصد تصفيتهم انتقاماً لعمليات قاموا بتنفيذها.

خلال فترة «النقاهة» بعد جلاء القوات الفرنسية عن لبنان والشام وإعلان استقلال البلدين تابع الحزب عمله ونشاطه في الوطن وتولى قيادته المجلس الأعلى ورئيسه الأمين نعمة ثابت بقرار من زعيم الحزب الذي بدأ جولة عام 1938 بعد الإفراج عنه في الاعتقال الثاني الذي دام أربعة أشهر عام 1936 «الاعتقال الأول 6 اشهر» وبعد الاعتقال الثالث عام 1937 الذي دام ثلاثة أشهر.

المصدر : الموقع الرسمي
الكاتب : ssnp-sy.com

إقرأ أيضاً
  • صفحات من الذاكرة القومية الاجتماعية: «التأسيس»
  • صفحات من الذاكرة القومية الاجتماعية: سعادة فـــــي المهجـــــر وعودته للوطن
  • صفحات من الذاكرة القومية: في العمل النضالي
  • صفحات من الذاكرة القومية الاجتماعية: بدء النشـاط بعد عودة سعادة للوطن
  • صفحات من الذاكرة القومية الاجتماعية: بداية تنفيذ خطط القضاء على الحزب واستشهاد سعادة
  • صفحات من الذاكرة القومية الاجتماعية: المحاولة الثانية لتصفية الحزب
  • صفحات من الذاكرة القومية الاجتماعية: المحاولة الثالثة لتصفية الحزب
  • صفحات من الذاكرة القومية الاجتماعية: عودة الحزب في الشام ولبنان إلى ساحات النضال
  • صفحات من الذاكرة القومية الاجتماعية: المرحلة الدستورية بعد سعادة
  • نظارة التربيةوالشباب تكرم الطلبة المتميزين في الشهادتين في متحد #السويداء
  • لا يوجد ألبومات صور مرتبطة بهذا المقال

    رأي ومقال

    العالم العربي /أزمة عقل- أزمة معارضة/

    أردوغان يخسر معركة الرقة قبل أن تبدأ

    اردوغان طموحاتك واحلامك على ارضنا ليس لها مكان

    في ذكرى يوم الفداء

    تموز مولد الحياة وسخاء العطاء

    فكرنا في حلقات

    المبادئ الإصلاحية /2/

    المبادئ الإصلاحية /1/

    المبادئ الأساسية /2/

    المبادئ الأساسية /1/

    يهودية الصهيونية