المبادئ الأساسية /2/

.

2015-07-02
المبدأ الرابع: الأمة السورية هي وحدة الشعب السوري المتولدة من تاريخ طويل يرجع إلى ما قبل الزمن التاريخي الجلي أ‌.تحديد ماهية الأمة السورية:

إن هذا المبدأ يلقي الضوء على حقيقة الشعب السوري وتركيبته البشرية، ونحن بذلك نسبر غور التاريخ البشري السوري لمعرفة مكنوناته ومكوناته لأن الدلالة على الشيء لا تفيد في التقرير إلا من حيث المظهر، أما معرفة التركيبة الحقيقية فتستلزم إخضاع المركب للتحليل وتوثيق نتائجه، وآلية تركيبها مع بعضها، إذاً لمعرفة الحالة التي أعطيت نتيجتها مجتمعاً والتي لا تختلف كثيراً عن فهم حقيقة أي مركب كيميائي، لذلك فإذا كانت الأمة السورية مركب اجتماعي يتشابه مع مركب كيميائي فلا بد من إخضاعه للتحليل لمعرفة أسس تركيبته، وأول هذه الأسس هو وجود هذا المركب، إذ لا يمكن معرفة شيء مفترض والتحقق من تركيبته دون وجوده أولاً،

فإيماننا بوجود أمتنا يحتم علينا معرفة ماهية هذه الأمة وتركيبتها البشرية التي نشأت منها، وإن أولى الحقائق هي أن مجموع الشعب السوري يتألف من مجموع السلالات البشرية الثلاث مستطيلي الرؤوس ومستديريها ومفلطحي الرؤوس، وهي ذات التركيبة العامة لكل أمم الأرض، بتقرير هذه الحقيقة نرى أن المبدأ لا يعني رد الأمة السورية إلى مبدأ نقاوة السلالة الدموية، إطلاقاً، التي أثبت العلم عدم وجودها وأنها لا تتعدى منطق الخرافات وهي إن وجدت فبين الجماعات المتوحشة، من ناحية ثانية فهذا الإقرار يعطينا نتيجة واحدة وهي أن الأمة السورية قائمة على المزيج السلالي «إننا أمة ليس لأننا ننحدر من أصل واحد بل لأننا نشترك في حياة واحدة في وطن واحد يحتم علينا أن نكون أخواناً قوميين متحدين في هذه الجامعة الوطنية التي قل مثيلها». /الآثار الكاملة ج2 - ص113/.

الحقيقة الأخرى لهذه الأمة أنها اشتركت في وحدة حياة عامة شملت جميع السلالات المكونة لهذه الأمة في بوتقة واحدة شكلت منها وحدة اجتماعية متناغمة في وحدة حياتية موحدة المصالح موحدة المصير وذات إرادة متجهة لتحقيق السمو والرفعة لهذا المجتمع وذات شخصية متميزة عن غيرها بمزاجها وتناولها لمفردات الحياة، فالأمة إذاً ليست وحدة سلالية، بل وحدة حياتية متفاعلة بوجودها فيما بينها اجتماعياً وضمن بيئة تضمن هذا التفاعل، هذه هي الأمة وهذه هي القومية في مفهومنا، في هذه النقطة يستوقفنا موضوع على قدر كبير من الأهمية وهو الشعور عند أبناء الأمة في انتمائهم، هذا الشعور الكامن والذي لم تستطع الظروف السياسية والدعاوات المضللة القضاء عليه رغم تفاقمها وقيامها بتقسيم سورية إلى دويلات وكيانات، لكنها لم تستطع حقيقة التغلب على انتمائها القومي الفطري في نفوس أبناء الأمة، وبذات الوقت لم تستطع اقتلاع الإثم الكنعاني من نفوس أبناء الأمة فهؤلاء السوريون إما أنهم يموتون فوق أرضهم أو يندفعون ليحموا أو يحتموا بإخوانهم، لنأخذ أمثلة قريبة، إن شبه جزيرة سيناء السورية اقتطعت كنتيجة لصفقة بين الأستانة ومحمد علي الكبير في مصر منذ أكثر من /160 عاماً/ لكن أهلها يسمون أنفسهم حتى اليوم أبناء البر الشامي، ففي العام /2008م/ قام مفتي مدينة العريش، وهي نقطة عمرانية في سيناء المتاخمة لمصر، برفض اتباع فتوى القاهرة حول تحديد شهر رمضان بقوله نحن من يوم خلقنا في هذه الأرض نتبع القدس وفتوانا نأخذها من القدس، وحصل ذلك حين سلخت كيليكية واسكندرون فخرج قسم كبير من أهالي سورية الشمالية باتجاه الجنوب وعاشوا بين أهلهم وبقي قسم كبير جداً محافظاً على هويته السورية وحتى عاداته وتقاليده ورغم سياسة التتريك والاضطهاد والتمييز العنصري، إن الأغرب من هذا كله في أنك تجدهم تحت الحصار النفسي والتقني يحافظون على لهجاتهم المحلية، والمتعامل معهم لا يستطيع التمييز بينهم وبين إخوانهم في سورية الداخلية، وفي فلسطين نجد أبناء سورية الجنوبية في نكبتهم التي استهدفت وجودهم اتجهوا إلى سورية الداخلية، وقلة منهم اتجهوا نحو مصر والمغرب ودويلات العرب الأخرى وما لبثوا أن عادوا إلى حضن بلادهم، والذين بقوا في فلسطين يقاسون مايقاسي أبناء سورية الشمالية فلا فرق بين الترك واليهود في أطماعهم ونظرتهم لإنساننا، وأثناء نكبة العراق الملايين اتجهت دون تفكير إلى سورية الداخلية، ولم تشهد دويلات العرب إلا القليل جداً من نزوح عراقي، وحتى إيران التي من المفترض أن تشكل قاعدة دينية مشتركة مع أحد المذاهب العراقية، فلم يدخلها إلا القليل وبقيت أكثرية العراقيين تحت الخطر تعاني من الاقتتال الطائفي المهدد لجميع الشرائح، وفي كل الحروب التي خاضتها المقاومة ضد العدو الصهيوني- اليهودي شهدنا خروجاً هائلاً من لبنان باتجاه الشام،

واليوم نجد خروج أبناء الكيان الشامي باتجاه الأراضي السورية جنوباً وشمالاً، فلا يظن أحد أن الوجود السوري شمالاً ضمن أراضٍ غير سورية ولو كانت أراضي غير سورية لما وجد من السوريين إلا القليل جداً. في المحصلة، نريد القول، إن وحدة الحياة المتولدة والمتأصلة في نفوس السوريين مما قبل الزمن التاريخي الجلي لا تزال فاعلة في نفوس الأحفاد وستبقى، أما الذين ظلوا تحت الخطر فهم يفضلون الموت على ترك حقوقهم للغير، وهذا ما فعلته أليسار وبعدها عموم القرطاجيين، وهذا ما فعله البطل يوسف العظمة الثاوي في ميسلون ورفقاؤه، إذاً هذا هو مزيجنا السلالي وهذه إرادة حياتنا مهما حصل ومهما تراكمت فوقها طبقات من أكاسيد الزمن، لذلك نحن أمة وقوميتنا حقيقة قائمة مع ذلك ومع أننا مزيج سلالي فلا بد من الاعتراف بوجود سلالات ثقافية متمدنة وسلالات منحطة في مدنيتها (لم يمض عليها الفرق الكافي للتفاعل حتى نتمكن من الارتقاء والتطور)،

وهذا يقودنا للقول إن السلالات التي كونت هذا المزيج السوري المتفوق على قرائنه من الشعوب المجاورة عائد لامتيازه ولمقدرته على التفاعل وإنتاج حضارة قادت العالم إلى الرقي والتمدن، هنا تبرز حقيقة علمية تكتسبها الشعوب من بيئتها التي تطبع الإنسان بنفسيته ومزاجه وتكون حالته الفيزيائية مع مرور الزمن، فالنمو العقلي مسألة مرتبطة بالبيئة واستعداد الإنسان للتغير في فيزيائية حركته وتفكيره وطرائق استعمال قواه العقلية ومداركه، فإذا سلمنا أن كل الأمم هي مزيج سلالي فنرى أن التفوق الحضاري ارتبط بفيزيائية الأفراد وقواهم العقلية المكتسبة لإنتاج حضارات أكثر تفوقاً فالسوري المتفوق حضارياً على المصري واليوناني بحكم استعداده وبحكم السبق الزماني والمكاني في تجاوبه مع محرضات البيئة الممتازة أصلاً وبالتالي إدراكه الأكثر تقدماً، هذه المسألة تقودنا إلى إشارة لابد منها، وهي توخي الحذر حول مفهوم المزيج السلالي فهو لا يعني إطلاق العنان للتمازج المستمر، فالزمن عامل حاسم كما نوعية التمازج، قلنا في البداية إن وحدة المجتمع السوري حدثت في زمن سابق للزمن التاريخي الجلي أي واستغرقت عشرات آلاف السنين للبروز، وكذلك نوعية المزيج، فلو كان المزيج السلالي مطلقاً دون تميز لما أفلح هذا المزيج، لذلك نرى أن السوريين لم يكونوا على استعداد لاستقبال العرب في بلادهم، وإن حدث تسرب لبعضهم فقد احتاجوا آلاف السنين لإثبات أنهم قادرون على مجاراة السوريين، والنظام السوري القديم لم يكن ليدخلهم في دائرة الحقوق والواجبات، فالأنباط عاشوا آلاف السنين ولم يكن لهم تأثير في الحياة السورية حتى اندمجوا كلياً في الثقافة السورية،

لهذا يجب الانتباه والدفع بقوة كل هجرة تحاول اختراق هذا المزيج السوري الممتاز الذي أنتج ما أنتج، ولابد من إعطاء زمن كافٍ للأمة السورية لهضم ما توارد عليها من هجرات لتعود إلى طبيعتها، والفكر القومي الاجتماعي كفيل بهذا والنظام القومي هو البديل الذي سيعوض كل من حمل الجنسية السورية على الاندماج السريع لكونه أخذ بمبدأ الأخوة القومية ولا يعترف بغيرها جامعاً لعموم الشعب السوري.

ب‌.العلاقة مع العرب:

إن كوننا أمة تامة لا ينافي انتماءنا إلى عالم لغوي يدعى العالم العربي، وتربطنا به مصالح تشترك في نقاط وتتباعد في نقاط أخرى، فسورية هي إحدى الأمم المشكلة للعالم العربي، ولا حيف إذا قلنا إننا إحدى الأمم العربية لكننا نحتفظ لأنفسنا بحق الاستقلال كأمة وإخراج مصالحنا وعدم تداخلها مع مصالح الآخرين والدفاع عنها إذا حاول أحد اغتصابها أو التعدي عليها، حتى لو كان من العرب، وحتى لا يقال إن هذا القول يتعارض مع بدايته نقول إنه توجد مصالح مشتركة بين أمم عديدة، فبين تركيا وبيننا توجد مصالح مشابهة للمصالح بيننا وبين شبه الجزيرة العربية، وهي مصالح نقل وعبور مثلاً، ومن المفترض بوجود عامل لغوي أقرب إلى العرب ليكون التفاهم أسرع وأقل كلفة، على هذا الشكل تتشابه مصالح الأمم، لكن لا يعني هذا أبداً التنازل لصالح هذه المصالح، أو الذوبان في مصالح أخرى، فسورية كونها إحدى الأمم العربية المكونة عالماً عربياً ولا يعني هذا القبول بتعريض مبدأ السيادة واستقلال القضية للميعان، وتبقى سورية أمة مستقلة تبنت الحرف العربي ليكون لغتها الرسمية والقومية، ولو نظرنا إلى اللغة العربية لوجدنا أن سورية صاحبة الفضل أساساً في صحتها وفصاحتها، وقد أعطت لهذا اللسان ما لم تعطه أمة من الأمم العربية الأخرى اعتناءً وتفصيلاً وذخرته بنفسيتها وأعطته من شخصيتها وقدراتها العقلية، حتى أصبح اللسان السوري هو المعلم الطاغي على اللغات المصرية والمغربية، وحتى في مهده العربي إننا نجد قيمة اللسان العربي بما حملته إياه النفسية السورية وذخرته من علوم ومعارف، التي هي من إنتاج سوري محض نابع من ثقافتها وأداء أبنائها العقلي، فهو المعبر عن حاجاتها الثقافية الفكرية، هذا يقودنا إلى دور سورية وريادتها للعالم العربي ولن ندخل في التفاصيل بقدر ما نتناول بعض الجوانب استعراضاً سريعاً، فنقول لم تنتج أمة غير الأمة السورية العدد الهائل من الشعراء والكتاب والفلاسفة المتكلمين بهذه اللغة وهذا الكم الهائل من علوم الفقه والتاريخ وعلوم الكلام، ولا نجد تطابقاً بين اللغة الفصحى واللهجة العامية أكثر من لسان سورية.

المبدأ الخامس:

الوطن السوري هو البيئة الطبيعية التي نشأت فيها الأمة السورية وهي ذات حدود جغرافية تميزها عما سواها تمتد من جبال طوروس في الشمال الغربي وجبال البختياري في الشمال الشرقي إلى قناة السويس والبحر الأحمر في الجنوب، شاملة شبه جزيرة سيناء وخليج العقبة، ومن البحر السوري في الغرب شاملة جزيرة قبرص إلى قوس الصحراء العربية والخليج العربي في الشرق وتوصف بالهلال السوري الخصيب ونجمته قبرص.

أ‌.الوطن وضرورته لحياة الأمة:

قلنا فيما سبق إن الأمة بلا وطن لا معنى لها، ولا قائمة تقوم لها بين الأمم وتكتسب الأمة شخصيتها ونفسيتها من مواردها الطبيعية في إقليمها الجغرافي، وبقدر ما يكون إقليمها يتمتع بحدود طبيعية بقدر ما تسارع الأمة إلى التنبه لذلك وتعمل على صيانته متى امتلكت ناصيته أمورها وتوحدت قواها القومية لصيانة هذه الحدود والدفاع عنها، أما في حال تراخي الأمة وفقدانها الشعور القومي وانخذال شعورها فإنها تذوي وتتضاءل حدودها إلى أبعد حد يمكن أن تصل إليه القوى المتربصة بها، لذلك نجد أهمية وعي الأمة لحياتها القائمة على أرضها وضرورة التفافها القومي، وتنمية وجدانها ليبقى بسط سيطرتها على كامل أرضها بقوة فعل الانتماء والاستفادة من موارد الدعم المادي الذي توفره البيئة، وذلك بالنهوض بكل أسباب الحياة والأخذ بعين الجد لمعنى ربط الإنسان بوطن، وهذا الأمر في وطننا مرهون بتمسكنا بهويتنا القومية.

إن وطننا ذاخر بالإمكانات الطبيعية من أنهار عظيمة وجبال داخلية تذخر بكل معاني الحياة والسهول المحيطة بالأنهار في ساحات شاسعة وتنوع الإنتاج الزراعي وكثرة الموارد المعدنية، وكل ذلك يعني أننا نمتلك وطناً فاحش الثراء في موارده، فاحش الثراء في إمكانات أبنائه الإبداعية في الإنتاج، وعلى ذكر الأنهار، العالم صار يعرف اليوم ما يسمى بالأمن المائي والجغرافيا السورية تكاد تتفرد عن كل جغرافيات العالم باعتبار أنهارها سورية من المنبع إلى المصب، لكن التشرذم الحاصل نتيجة الأحوال السياسية وتعميق النظرة الكيانية في نفوس أبناء شعبنا والاتجاه لتسييس واقعنا القومي عكس اتجاه الحياة الطبيعية ولّد أنظمة سياسية اقتصادية تعليمية لا تليق بهذه الأمة وبهذا الوطن، إن النظام القومي الاجتماعي وحده المخول لقيادة هذه الأمة لوضع قاعدة الإنتاج الزراعي والصناعي والتجاري والحربي لقيادة هذه الأمة.

إن النظام العام غير المستند إلى وحدة المجتمع السوري ووحدة أرضه الجغرافية لا يستطيع أن يشكل وحدة اقتصادية، بل يسهل عليه سوء استعمال الموارد البشرية كانت أم الطبيعية، لذلك نرى كيانات الأمة لا تكاد تخرج من أزمة إلا لتدخل في أزمات جديدة وهي رغم غناها المفترض نراها لا تزال عاجزة عن تحقيق استقرارها، إن وحدة الأرض السورية بقدر ما هي ضرورية لقيام الحياة العامة للسوريين فهي ضرورية لتكامل زراعي صناعي وهي باعث للاستفادة من قدرات هذا الشعب، فعلى سبيل المثال نرى أن عدداً غير قليل من مبدعين سوريين في مجال الطب والعلوم المختلفة يتركون بلادهم إلى أوروبا وأميركا وغيرها، بينما بلادهم في شرقها وغربها بحاجة للألوف منهم لكن النظام الاقتصادي السياسي لا يتناسب مع وجودهم، وصفوف شعبنا تذخر بالقدرات الزراعية، بينما نجد أننا نستورد هذه الخبرات، فزراعتنا لا تزال في طورها الأول. في المقابل، فإن في بلادنا خبرات هائلة في مجال العلوم والتكنولوجيا تتعرض للتصفية والتهجير والإهمال في أحسن الحالات، ما يضطرها لأن تغادر بلادها إلى بلاد بعيدة، بينما كانت بلادها تحتاجها لنهوض الأمة، إن هذا المثال يعطينا فكرة عن الضرر اللاحق بالأمة نتيجة تفتيت البلاد وتوزعها على كيانات، ويقودنا هذا للتدليل على أهمية وحدة الأرض للأمة وأهمية قيام نظام عام يشمل كل نواحي الحياة مستنداً أساساً على هوية واضحة تكون أساساً لبناء نهضة قومية شاملة.

ب‌.أهمية الحدود وخطورة سقوطها:

إن الحدود السورية تشكل حصوناً طبيعية وسياجاً حقيقياً يحمي الداخل السوري ويحافظ على وجوده وحياة شعبه وسلامته، فجبال الشمال شكلت عبر التاريخ حاجزاً طبيعياً في صد الهجمات وكانت درعاً يحمي حدود الوطن من أي غازٍ، حيث مناطق العبور إلى الداخل هي محصورة ضمن ممرات وعرة عرفت بالبوابات الكيليكية، ومن الشمال الشرقي والشرق كذلك مكنت تلك الجبال من صد العديد من الهجمات لغزاة، إذ لا ممرات سوى ما عرف بممرات الموت، هذه الحالة الطبيعية التي تنبهت إليها الدول السورية المتعاقبة، أدت هذه الحدود أهمية كبرى فوطنت على أطراف تلك الجبال شعوباً قومية محاربة أوكلت إليها حماية هذه الممرات، فالقائد الامبراطوري سرجون الكبير موحد سورية الأول تحت عرشه وصل إلى منابع دجلة والفرات ووضع فيها النصب الدال على وصوله وكتب وصيته إلى الملوك من بعده، ووطن الأكراد وهم شعب سوري أصيل محارب قوي مهمة حماية الحدود الشمالية والشرقية، أما من الغرب فالبحر السوري شكل حصناً طبيعياً لصد الهجمات البحرية، وتعتبر جزيرة قبرص تلك الأرض السورية الممتدة في المياه هي الحصن الاستراتيجي الأول، وتعتبر شبه جزيرة سيناء استكمالاً لهذه الحدود، وإن وحدة الحياة على هذه الأرض شكل وحدة ارتياح حين تكون الحدود آمنة، وعند نجاح أي غازٍ في تجاوز بوابات الموت من الشرق فإن الداخل السوري يصبح في خطر، فمتى وجد الأعداء سبيلاً للعبور من الشمال أو الشرق أو الغرب فإن الداخل السوري كله يصبح تحت الخطر ولا يبقى سوى أيام لاجتياح كامل الأرض السورية، واليوم أصبح الخطر أسرع وأدهى، فالقوات التركية المرابطة في اسكندرون وكيليكة لا يلزمها سوى أيام للوصول إلى أي عاصمة سورية، كذلك الخطر اليهودي في الجنوب لا يقل خطورة عن ذلك، فكل الغزاة كانت تصدهم الحصون المنيعة الطبيعية، لكن متى تمكنوا من اجتيازها سهل عليهم اجتياح الداخل، لذلك فإن أهمية الحدود الشمالية والشرقية مهمة لأبناء الشام وفلسطين ولبنان بقدر ما الحدود الغربية مهمة لأبناء الشام والعراق، وإن احتلال أي جزء من سورية يعني تهديد كامل سورية واعتداء على سيادتها واستقلالها، لهذا وجب قيام وحدة ذات نظام سياسي اقتصادي عسكري يضمن سلامة الداخل وقوة ومنعة حدوده.

المبدأ السادس: الأمة السورية مجتمع واحد أ‌.الأمة الواحدة في المجتمع الواحد

«الأمة متحد اجتماعي أو مجتمع طبيعي من الناس قبل كل شيء آخر» /نشوء الأمم – طبعة عام 1998 - ص 65/، إن الاشتراك في الحياة يولد القيمة الفعلية في إنتاج المصالح العامة ويقوي روابط المجتمع وينشئ إرادة عامة تكوّن روحية المجتمع وشخصيته وتعطيه نموذجاً خاصاً للعقلية والعادات والتقاليد واللهجة وتنمي عنده الذوق العام الذي يشمل أبناء المجتمع بشكل عام، فالأساس هو الاشتراك في الحياة الذي يكسب أي مجتمع صفاته الخاصة وليس العكس، إذ لا توجد صفات يطبع بها المجتمع نفسه لتدل عليه، لذلك فإن المجتمع قد تتغير صفاته جزئياً أو كلياً تبعاً لطبيعة العلاقات الاقتصادية التي تطرأ عليه، كأن يتحول من مجتمع زراعي إلى مجتمع صناعي أو تجاري، فتتشابك منظومة علاقات جديدة بأطر جديدة ويكتسب المجتمع صفات جديدة، إذاً يبقى المجتمع قائماً وقيمته الثقافية نابعة من اشتراك أبنائه في الحياة ونوعية هذه الحياة لتنتج صفات مميزة لهذا المجتمع، هذا من ناحية الحديث عن مجتمع القرية أو المدينة، وبطبيعة الحال فلا قرية منعزلة أو مدينة أو حتى جزيرة في عرض البحر فالكل يسعى نحو التجمعات المماثلة أو الأكبر ليتمم معها وحدة ودورة حياته المتمثلة بمصالحه العامة التي تخص متحده،

إذاً نصل للحديث عن القطر، وأولى الملاحظات نشاهدها في جغرافية أي قطر وتوزع نقاط العمران ضمنه، فحيث نجد سهولة الوصول إلى مناطق عمرانية نجد سهولة في تبادل المصالح وتوحيدها والاشتراك في ترقيتها أو إزالتها واستبدالها، في سورية نجد أن الامتداد العمراني يشكل تجمعات كبيرة عظيمة كانت منذ البداية مراكز تجذب إليها باقي المتحدات الأصغر وتتجاذب هذه المراكز فيها بينها لتشكل قاعدة كبرى لمجتمع كبير هو مجتمع الأمة وهو المتحد الأتم، المتحد القومي،

فمثلاً نجد أن مدينة بابل الأولى جذبت إليها كل متحدات سورية الشرقية وقسماً من متحدات الداخل، وهذا انطبق على مدينة نينوى وأنطاكية لعبت ذات الدور، ودمشق دائماً كانت هدف بابل وباقي المدن الكبرى وحلب وأوغاريت وأفاميا ثم بيروت والقدس، وهكذا نجد حالة من التشابك بين هذه المدن الكبرى، وهذا بالتالي لا يمكن تسميته تبادل مصالح بقدر ما هو اشتراك في دورة الحياة الاجتماعية الاقتصادية، فدمشق مثلاً هي مركز تجاري هائل منذ قدم التاريخ جذبت إليها بابل ونينوى وأنطاكية، ودمشق اشتركت مع أوغاريت وصيدا وصور في تسيير تجارتها عبر البحار واشتركت مع القدس وأريحا في إيصال التجارة البرية، فكانت كتلة جذب هائلة ربطت بابل وما حولها وأنطاكية وما حولها ببيروت والقدس، وحتى العقبة وتشابكت فيها مصالح المتحدات الأصغر من متحدات زراعية وحرفية وصناعية،

أما حلب فهي متحد برع سكانه في الصناعة، فلعبت ذات دور دمشق واشتبكت معها في وحدة مصالح، وبابل العاصمة السياسية أو أنطاكية عبرت إلى القدس عبر دمشق وصيدا وصور وأوغاريت، وكل المدن البحرية اشتركت في وحدة حياتية اقتصادية مع دمشق والقدس وحلب وبابل وأنطاكية، هنا نشير إلى أن مدينة طهران على سبيل المثال أو القاهرة أو حتى مكة والمدينة لم تكن تمثل لها هذه المدن والمراكز السورية سوى مناطق عبور كما هي الحال الآن، ولم تنتقل ثقافات المدن السورية إليها أو العكس، إلا عبر الغزوات الكبرى، ويسجل زوال تأثير تلك الثقافات بزوال حالة الغزو، من ناحية ثانية ورغم مشاق الطرقات والتنقل نجد أن المدن السورية والقرى المنتشرة لم تعدم الوسيلة للتنقل وتأمين مصالحها ومن ثم وعت هذه التجمعات وحدة ترابطها وعدم استغنائها عن بعضها، لذلك كنا نجد أي حركة سياسية تنشأ في منطقة من مناطق سورية سرعان ما تحاول بسط سيطرتها على كامل البلاد السورية. منذ نشوء أول دولة سورية قامت حروب داخلية لبسط السيطرة وتنافس المتحاربون على السلطة بسن القوانين والتشريعات والإجراءات لضمان التواصل بين كل مناطق الوطن الواحد واستعانوا بحروبهم الخارجية بكل سكان المدن والقرى، إذ شكلت الأمة عبر تاريخها مجتمعاً موحد المصالح مشتركاً بشخصية عامة وعادات وتقاليد متقاربة إلى حدود التطابق، فاكتملت دورة حياته الاجتماعية والاقتصادية بكل معانيها، فأمتنا مجتمع واحد وإن عملت السياسات وتعاقب الانقطاعات على عكس ذلك لكن الاشتراك في الحياة قائم وسيبقى والتاريخ شاهد على ذلك.

ب‌.الهيئة الاجتماعية الواحدة:

المجتمع الواحد في الأمة الواحدة يعني وحدة الظهور أمام الآخرين في الرؤية، أي الهيئة الاجتماعية الواحدة، لهذا فإن أي محاولة تحت أي دعاوى لتجزئة هذه الهيئة يعتبر إجراماً بحق الأمة ومجتمعها الموحد المصالح والموحد الإرادة، قد يسأل سائل: إن ما يجري منذ قرن من الزمان ينفي كل ما سبق من الحديث، فنقول: إن الظروف السياسية المغلفة بنوازع دينية أو عشائرية أو حتى مناطقية، أثبت التاريخ السوري فشلها وانتهاءها مع أصحابها، وحقيقة أن المجتمعات لا يمكن لظرف سياسي أو اقتصادي إلغاؤها وإقامة أوهام لا طائل منها ولا تحمل صفة الاستمرار، لأن الحقائق تولد الإرادة، والإرادة تفرض تلك الحقائق، وعلى سبيل المثال فإن اتفاق سايكس- بيكو ومفاعيله المستمرة حتى يومنا لم تلغِ تشابك الحياة بين لبنان والشام رغم كل المحاولات والجهد المبذول، ليس من أصحاب دعاوى الانفصال وحدهم، بل بكل دعم يقف وراءهم من دول عظمى وقوى استعمار كبير، فما إن يتم إغلاق منافذ الحدود الرسمية حتى تتعالى احتجاجات أبناء الشعب في الكيانين، وما إن تفتح حتى يتوافد الآلاف في الاتجاهين ومعرفة الناس لأحوال بعضهم في الكيانين تفوق التصور،

إن معرفة الناس في الشام لتفاصيل الحياة في لبنان والتنطيح لإيجاد حلول لهم ليست جديدة كما يظن البعض، فهي ابتدأت مع إعلان غورو دولة لبنان الكبير ومعرفة اللبنانيين بمشاكل الشام ووضع الحلول والتصورات، كذلك ليس شأناً عابراً بالنسبة لهم، وهذا الأمر عينه يجري مع باقي الكيانات، ويذكر التاريخ بأن فترة الوحدة بين مصر وسورية بأنها كانت كابوساً للعراقيين وكان الناس في بغداد وباقي المدن العراقية لا يتحدثون إلا عن معاناة السوريين وأقاموا شوارع كاملة لاستقبال السوريين في مدنهم الهاربين من الوجود المصري، وشارع الرشيد في بغداد شاهد على ذلك، بعد انقطاع طويل بين العراق والشام افتتحت الحدود في أواخر سبعينيات القرن الماضي فكان عدد العراقيين التواقين إلى دمشق وحلب يفوق التصور، وكان عدد السوريين باتجاه بغداد والموصل أكبر من ذلك، حتى كاد يخيل للناس أن تبادلاً سكانياً حدث بين مدن سورية وعراقية، إذاً هذا الوجدان الخفي بين أبناء المجتمع الواحد رغم كل الصعاب يؤكد أن قومية السوريين حقيقة قائمة لا تقبل الشك، اليوم يظهر جلياً أن الأمة السورية تقف كهيئة اجتماعية واحدة رغم كل الملابسات المحيطة، ولننظر للشاذ من المواقف على امتداد الساحة السورية لنرى أن كل موقف شاذ وراءه دعاوى خارجية عن الإرادة السورية.. العراقيون مع الشعب السوري الرافض للمؤامرة في الشام ويكاد يكون كل العراقيين والأردنيين البعيدين عن الدعاوى الدينية، اللبنانيين البعيدين عن الدعاوى الانعزالية الدينية، الفلسطينيين البعيدين عن مثل تلك الدعاوى من أنطاكية وكيليكية واسكندرونة، كلها تؤكد أن السوريين بعمومهم هيئة اجتماعية واحدة في رؤيتها وإرادتها «فالحركة القومية الاجتماعية تقيم بهذا المبدأ وما يتعلق به حرباً عنيفة مميتة على عوامل تجزئة المجتمع إلى مجتمعات والأمة إلى أمم» /المحاضرات العشر – طبعة عام 1984- ص95/.

ج‌.الاستقلال الحقيقي:

«إن الاستقلال الصحيح والسيادة الحقيقية لا يتمّان ويستمران إلا على أساس وحدة اجتماعية صحيحة» /المحاضرات العشر – طبعة عام 1984 - ص 96/، إن محاولة إجهاض الوحدة الاجتماعية عبر تغذية النزعات الدينية من شأنه تحويل المجتمع الواحد إلى مجتمعات لتصبح مصالح المجتمع الواحد مصالح متعددة متضاربة تتوزع وتتناحر على قواعد طائفية مذهبية لا تفيد الدين ولا تفيد المجتمع وتتنافى مع الوحدة الاجتماعية ووحدة المصالح لتتحول إلى مصالح محمديين مرتبطة بالخارج الأجنبي ومصالح الأجنبي، ومصالح مسيحيين متناقضة مع مصالح أبناء وطنهم، وفي قلب كل جماعة تتنافر المصالح على قواعد مذهبية سنية شيعية علوية إسماعيلية درزية أو كاثوليكية أرثوذكسية إلى آخر تلك القوائم، التي تنافرها على قواعد النزاعات الدينية لا ينتج إلا عفناً وتخلفاً وضرباً للاستقرار بالاستقواء بالأجنبي على أبناء الوطن الواحد، وفي تناغمها على مصلحة الوطن تتحول إلى أداة للتنوع والازدهار الفكري الثقافي المعزز للاستقلال العام.

«في الوحدة الاجتماعية تزول الحزبيات الدينية وآثارها السيئة وتضمحل الأحقاد لتحل محلها المحبة والتسامح القوميان ويفسح المجال للتعاون الاقتصادي والشعور القومي الموحد وتنتفي مسهلات دخول الإرادات الأجنبية في شؤون أمتنا الداخلية» /المحاضرات العشر – طبعة عام 1984 - ص96/، إذاً الحل الأمثل للأمة للتخلص من النعرات الدينية القاتلة للوحدة الاجتماعية المفسخة لروحية الأمة والتي لن تقوم إلا على الأساس القومي الاجتماعي المذيب لكل النزاعات الداخلية، ومن شأن هذا الأساس يمكن إنشاء دولة قومية وقانون وتشريعات يتم فيها ومن خلالها تأمين أسس العضوية الصحيحة للمواطن السوري ويتم إعلان تساوي الحقوق والواجبات في الأمة لتشكل وحدة حياة متشابكة مع كل عناصرها ولتظهر بمظهر واحد يعبر عن هيئة اجتماعية واحدة، إنه الاستقلال المادي الروحي الاستقلال الحقيقي من النزعات الداخلية وعن التأثيرات والتداخلات الخارجية، إنه المخرج لكل عنعنات السياسة المشوهة لحقيقة الأمة، وهو الطريق الموصل إلى نهوضها، إنه النظام القومي الاجتماعي الذي لا فلاح من دونه.

المبدأ السابع: تستمد النهضة السورية القومية الاجتماعية روحها من مواهب الأمة السورية وتاريخها الثقافي السياسي القومي: أ‌.الاستقلال الروحي:

إن حركة الحزب السوري القومي الاجتماعي تنطلق من الذات السورية الفاعلة الفاهمة طبيعة وجودها، إنه يوجه العناية إلى داخل هذه الذات التي هي في تكوينها ووجودها، المجتمع السوري بكل محتواه، هذه الحركة التي أخرجت هذا المجتمع من تحت الركام ووضعت له سلم النهوض، بهذا المبدأ تقرر استقلاله الروحي النفسي العقلي، والثقة لأبناء المجتمع السوري بأنفسهم وروحيتهم التي أنتجت علماً وفناً، إن الفكر القومي الاجتماعي ما هو إلا أحد مآثر النفس السورية وناتج من نواتج فعلها العقلي منبثقاً من الذات السورية، من النفسية السورية المتوثبة للحياة وهو الدليل على روحيتها العالية، إن الأفكار المبلبلة كما أسلفنا أدت إلى إضعاف روحية الأمة وإلى فقدان الثقة بذاتها، لأنها بكل بساطة كانت تدور حول محور لا يمثل حقيقتنا ولا يعبر عن ذاتنا، بالتالي فهو منفصل عن شخصيتنا مما كان سبباً في انعدام الوجدان السوري القومي وإضعافه إلى أقصى الدرجات، عندما لا يكون العمل نابعاً من الذات ومعبراً عن كوامن الشخصية العامة ومواهبها ومثلها العليا فهو بحد ذاته عمل لن يكون مدفوعاً برغبة مجتمعية، وبالتالي يصبح عملاً يقوم به أفراد يصفق لهم باقي الناس ويشعرونهم بالتأييد، وعندما يطلب من عموم المجتمع المشاركة نلاحظ انفضاض الناس بسرعة هائلة وقد يفشل هذا العمل رغم التأييد الظاهر،

إن المراقب للأعمال المستندة إلى أحد الأفكار الملتبسة في جوهرها تجاه ذاتنا لا يستطيع إلا أن يشاهد فشلها بشكل متلاحق، وعلى سبيل المثال نقول: ماذا حقق العروبيون في العراق بعد أربعين عاماً من اعتلاء السلطة إذا أخذنا بعين الاعتبار الاحتلال الأميركي الذي هدف إلى تدمير ذلك البلد، نجد أن العروبة لم تجر على العراق سوى الدمار لأن حزباً علمانياً كما يدعي يتكشف أنه ليس أكثر من حزب طائفي عشائري وضع قسماً من أبناء العراق في مواجهة الباقي وقسّم المجتمع إلى فئات متناحرة، كذلك لأن الفكر العروبي لم يمثل حقيقة العراقيين، فلم نجد من يهب للدفاع عنه بصورة شعبية عامة، وانقسم الناس بين من يريد إثبات ذاته والانتقام من الماضي وبين من يحاول الاستفادة من الانقسام جديد، عدا عن مجموعات قليلة، فيثبت بذلك أن غياب النفسية العراقية العامة وتغيب شخصية هذا المجتمع وفصله عن محيطه وشخصيته القومية الداعم له رغم وحدة الفكر العروبي أسقط أربعين عاماً من العمل الذي طحن فيه الشعب في العراق وكل مآسيه وأفراحه، وفي لبنان، ماذا جنى هؤلاء الانعزاليون المتلبننون الذين يرون شخصية لبنان العامة منفصلة عن واقعها وماذا جنى لبنان؟، وكذلك ماذا جنت الوحدة بين مصر والشام؟،

فالأحداث الدائرة في الشام خير دليل على أن ما يجري لا يعبر عن الذات السورية ولا يمت بصلة لها، إن المقصود هو إلحاقنا بالعرب المتخلفين من جهة، ومن جهة أخرى إلحاقنا بأمم أجنبية بدعوى دينية، فوقع المواطن في حيرة، فهو تجاه العرب والفكر العروبي بموقع التضاد لأنه اكتشف زيف هذا الفكر وهذا التوجه ولم يملك الثقة بشخصيته الحقيقية لأنه لم يتح له التعرف عليها، وهو يعاني من موقعه الإسلامي وموقفه من المسلمين وبذات الوقت لا يمتلك البديل الذي غيب عنه، من هنا نرى أن الصدوع بالفكر القومي الاجتماعي أحد أهم الواجبات الملقاة على عاتق القوميين هو إعادة الثقة للمواطن السوري بأمته، بحقيقتها بإدارتها بإظهار مواهبها وفنونها ومثلها العليا التي كرستها والتي يعترف بها الأغيار، إننا نستطيع أن نأخذ بيد مواطنينا إلى فهم واقعهم وفهم استقلالهم الحقيقي ضمن مجتمعهم وتعميق استقلالهم الروحي واستقلالهم النفسي، وبإعادة حركة الدوران الحقيقية للأمة حول الفكر القومي الاجتماعي تتحرر الأمة من مجمل الكوابيس الرابضة على صدرها والتي صادرت وعيها وشوهت حقيقتها وحرفت مسيرة استقلالها وأبعدتها عن روحيتها الفاعلة المتجددة في عطائها.

ب‌.خصائص النفسية السورية:

كثيراً ما نسمع عبارة /الشرق شرق والغرب غرب/ التي يروجها المستعربون من أبناء الغرب والمستغربين من أبناء الشرق، وكثيرون منهم من سورية، والقصد بذلك هو القول إن الشرق له نفسية تحمله إلى عوالم الميتافيزيقيا حتى يذوب فيها وما شعاره وهدفه إلا حلقات الصوفية والميلوية وحفلات الزار التي يتحد فيها الإنسان مع السماء فيغيب عن حاضره ويعيش فقط رسماً بلا معنى، فحياته مصادرة للغيب ولاتهمه هذه الحياة الواقعية في شيء وهذا سر بقائه تحت كل ظروف الحياة نعيماً كانت أم جحيماً وهو لا ينفك يزور القبور ويعظمها ويعيش على الذكريات منفصلاً عن الواقع وعنده ثقافة الموت أقرب إليه من أي شيء ومنفصلة عن الحياة، والغرب الآخذ بأسباب الحياة المادية مباشرة يتنقل في امتلاك الدنيا بكل ما فيها ولا تحبطه أزمة، بل يتغلب عليها ويحولها إلى نصر لصالحه، وقلما يلتفت إلى الماورائيات وعالم الغرب الناجح المتصدر للحياة البشرية، لذلك فهلاكه قريب وغرقه في الدنيا لا يمثل عبئاً وهو لا يلتفت للأحياء ومن باب أولى ألا يوقر الآباء والأجداد، فكيف بالأموات وهذا سر نجاحه في الدنيا، هذه المذاهب في الأقوال تحتمل الكثير الكثير من المغالطات،

فإذا كان الشرقي يرث هذه الصفات وهي شيء ملازم له، فكيف ينجح الشرقيون إذا أخذوا إلى مجتمعات الغرب! والنجاح السوري مشهود في الأميركيتين وأوروبا، إذاً نعود للقول السابق في موضوع آخر، إن الاشتراك في الحياة يحدد الصفات ولا توجد صفات إنسانية ثابتة، والشرق كان الأسبق في إنشاء الحضارة الإنسانية والغرب تعلم من الشرق، فحضارة الصين والحضارة الفارسية والحضارة السورية والمصرية أسبق بكثير من حضارة الإغريق والرومان، لا شك بأن هناك مجتمعات في الشرق قد لا يوجد مثلها في الغرب بطريقة عيشها وهي تنطبق عليها تلك الصفات ويصادف وجودها في الهند مثلاً، ولكن هناك مجتمعات في الشرق أبعد من المجتمعات الغربية في التمسك بالحياة المادية، وقد لا تجد فيها أي نوع من النزوع باتجاه الروحيات ويصادف وجودها في تايلند والفيلبين وغيرها من دول شرق آسيا، أخيراً نصل إلى المجتمع السوري فهو قبل كل شيء مجتمع متوسطي لا علاقة له بالشرق بالمطلق، في إطار هذا التقسيم المطلق والاستبدادي في إطلاق حكمه على الأمم والذي لا يفيد في تعيين حياة الأمم والمجتمعات.

إن الأمة السورية أمة متوسطية تشترك مع أمم أخرى متوسطية في كثير من الصفات العامة، ومن جانب آخر فإن أمتنا بفعل نفسيتها المتوثبة لم تكن من النوع الخاضع للأمر المفعول مهما كان مصدره، وهي بما حققته من علوم وفنون تفوقت به على كل أمم العالم في الشرق والغرب، فاختراع الدولاب والمعزق والمحراث (وإدخال المعادن مع الأخشاب والعظام) ناتج عن درس طبيعة الأشياء وهذا تقدم عقلي ممتاز، أما ركوب البحر وتسيير الأساطيل فناتج عن معرفة في طفو الأجسام ونوعيتها وإقامة المستعمرات خارج الحدود وفرض النموذج التجاري والتقدم الطبي، وإنتاج الأسطورة التي خلدت رفض الإنسان السوري للموت وإصدار القوانين والتشريعات وإنتاج الفلسفة وتأسيس علم الفلك، وغيرها الكثير مما مر ذكره، يؤكد أن النفس السورية بعيدة كل البعد عن التوصيف الذي صنفها بالنفسية الشرقية بل على العكس فإن ما قدمته النفسية السورية من إنتاج مادي وإنتاج فكري عقلي ثقافي يفوق ما قدمته أمم بعينها، لكن تقهقر الواقع السوري الذي أرخ له الإغريق والرومان تعمد إظهار النفس السورية بأسوأ الحالات.

ج‌.إعادة الثقة بالأمة مستمد من مآثرها:

ملعونة تلك الأمم التي لا تاريخ لها، والأكثر لعنة هي الأمم الجاهلة المتنكرة لتاريخها، ولا حاضر يفوق بروعته أمة تتصل بتاريخها وتحافظ عليه فيكون الروح لجسدها المستمر في الحياة، إن بعض الأمم في أوروبا وأميركا عموماً يهتمون بمآثر تاريخية قد لا تتجاوز مئات السنين وينصبون أنفسهم قادة العالم استناداً لأثر قد لا يكون ذا بال من إنتاج فكري أو صناعي أو فني أو غيره ويستمدون منه روحية يبثونها في صفوف شعبهم لبعث كوامن نفوسهم وحضهم على النهوض واستكمال شخصيتهم العامة وتكريس اعتزازهم بهويتهم القومية وثقتهم بأمتهم، أما نحن السوريين فقد أوكلنا تاريخنا للآخرين فكتبوه وترجموه وشوهوا ما شاء لهم دون أن تهتز في أجسادنا شعرة واحدة، وكأنه تاريخ أمة لغيرنا وشيء لا يخصنا، وحظر علينا التعاطي معه إلا من باب فتح شق في النافذة، فمن استطاع استراق نظر فعل ومن لم ينتبه فهو خير له ولأمته،

لقد أصبح تاريخنا يبتدئ بقتل كليب وإعتاق عنترة من العبودية وقصة الكلبة براقش ثم جحا وقرقوش وكركوز، وشيئاً عن الملائكة المحاربة لمعاونة الناس في حروبهم ضد الشر، وشعرنا مستمد من وادي عبقر وموسيقانا عزف راعٍ في جبل منعزل أو صحراء على أطرافها واحة، وفنوننا صناعة آلهة من التمر ثم أكلها، وديننا أوثان نعبدها لا تسمع ولا ترى، ولا خبرة لنا في حرب حتى جاء أبناء الصحراء يعلموننا فنون الحرب في اليرموك والقادسية و.... إلخ، أما إذا أردت التحدث عن تاريخ حقيقي وأساطير فاقت حد التصور في رقيها الفلسفي الفكري فأنت زنديق وعقابك الموت، وما وصلنا إليه هو نتيجة هذه العقليات وهذه الأفكار التي طبقت علينا، فاختلطت نفسيتنا بغيرها وأصبحت مقيدة لذاتٍ غير ذاتها وضاعت حقيقتنا في حقيقة غيرنا واختلط تاريخنا مع تاريخ غيرنا، بل غيّب لحساب تاريخ آخر، لكن الحركة القومية الاجتماعية تأخذ على عاتقها إعادة الأمور إلى نصابها عبر إعلان حقيقتنا نحن وإظهار شخصيتنا المستقلة المعبرة عن ذاتنا التي تفيض علماً وفلسفة وفناً،

فإذا حصل حيف من قبل البعض على جزء من هذه الأمة فهي مدعوة لاستعادة نفسيتها عبر النظر إلى استقلال تاريخها والنظر من خلال ذاتها الفاعلة المدركة الممتلئة علماً وفلسفة وفناً والناظرة إلى الكون من خلال تراثها العظيم الذي يعبر ويحمل كل حق وكل خير وجمال، بهذه النظرة المليئة بالثقة من تاريخنا نقرر أن لا حق ولا خير ولا جمال إلا ما نبع من ذاتنا، من نفسيتنا، من شخصيتنا، وهذا لا يعني الانكفاء وعدم مجانسة الآخرين بل يعني أن لنا نظرة مستقلة في التعبير عن رأينا في الحياة والكون، والتعبير عن الجمال نابع من مصالحنا ومن حياتنا فإن لم نشارك فيه أو نصنعه فقد لا يمثل لنا شيئاً ذا بال لأنه لا يمس حياتنا ولم يحمل شيئاً من نفسيتنا من ذاتنا.

المبدأ الثامن: مصلحة سورية فوق كل مصلحة أ‌.تعريف المصلحة:

قد يتبادر للذهن أن المصلحة شأن يتعلق بالماديات وشؤون المال والتجارة، والحقيقة أن المصلحة في المفهوم القومي الاجتماعي تتجاوز هذه الزاوية الصغيرة لتكون أوسع وأشمل وأعم، وما شؤون المال والتجارة إلا وجه من وجوه هذه المصلحة، فعلى سبيل المثال إن تحقيق الذات الشخصية السورية مصلحة كبرى بما تحمله من الخير سورياً على الصعيد النفسي الروحي، كدفع العالم للاهتمام بالفنون والفلسفات والآداب وإقامة المعارض والندوات والدراسات من قبل دارسين ومهتمين في أنحاء العالم، وكذلك فإن اهتمام العالم بإنتاجنا الثقافي وإظهار السبق السوري في الاختراعات ذات القيمة الكبرى للبشرية كاللغة والأسطورة والملحمة السورية يشكل مصلحة سورية كبيرة، وفوق هذا فإن احترام دول العالم للمواطن السوري حين ترحاله لما تحمله جنسيته من شخصية يمثلها فيها كل القيم والمثل، وتقدير هذه القيم والمثل وتقدير الأمة المنتجة لهذه الشخصية، كل ذلك يعتبر مصلحة لسورية هذا على الصعيد الخارجي،

أما على الصعيد الداخلي فإن كل ما من شأنه تحسين الحياة للسوريين ورفع سوية جمال حياة المواطن وتحسين ذوقه والاهتمام بتحسين مزاجه فهو مصلحة سورية صميمية، أما فيما يتعلق بالقضايا المادية، فإن كل ما يحقق مصلحة سورية هو موضوع يجب تغليبه على مصالح الأفراد ليكون معيار الأعمال الاقتصادية والسياسية والحربية كما فيه خير حياة الملايين وتحسين وتجميل حياتهم، بهذا المبدأ نخرج من العبارات الفضفاضة العامة التي تخاطب الغرائز ولا تلامس الحقائق لتصبح الأقوال على قاعدة التطبيق المباشر، وبتكريس هذا المبدأ يبطل دور المشعوذين السياسيين لأن الشعب سيمكنه اختبار الأقوال والأعمال مباشرة.

ب‌.الأمة ليست تجمع أفراد:

في هذا البند لا بد من التعريج على مسألة الجماعة البشرية وطرائق نمو حياتها وهدفها، إن المفهوم القومي الاجتماعي لا يرى سعادة الأمة إلا كمجموع عام، «القضية هي حياة المجتمع وقضية مصير المجتمع قضية ارتقاء المجموع أو انحطاط المجموع، قضية جمال حياة المجتمع لا قضية جمال حياة الفرد» /المحاضرات العشر – طبعة عام 1984 - ص108/. بهذا المفهوم تنتفي النظرة الفردية للحياة وتبقى مقيدة بمصلحة سورية، أي بحياة المجتمع السوري ككل ويبقى الفرد مجرد إمكانية ضمن مجتمعه فإذا حاول الانفصال عن مجتمعه وإحداث حالة فردية خاصة لم يكن نصيبها النجاح، فحياة الأفراد تستمد من حياة المجموع ورقيه وروحيته ونفسيته، وهذا لا يعني أن الفرد يذوب في حياة المجتمع فلا تجد له أثراً، في الواقع إن مهمة المجتمع هي تشجيع الأفراد للتقدم والتفوق بفعل انخراطهم في المصلحة السورية العامة ليكون تفوقهم نابعاً من كونهم سوريين وليس لكونهم أفراداً ناجحين صنعوا أنفسهم بأنفسهم منعزلين عن مجتمعهم، فخير المجتمع ومصلحته هي التي يجنيها الأفراد بانتمائهم لهذا المجتمع، النظرة الفردية والقضايا الفردية لا تشكل وحدة اجتماعية، لأن لكل فرد قضيته ومصلحته، وعندما يحاول حل قضيته والحصول على مصلحته فسيكون ذلك على حساب المجتمع وسيكون مدعاة لتفسيخ الروح الاجتماعية، لذلك فإن تجميع قضايا مصالح الأفراد لا يشكل قضية اجتماعية قومية واحدة وتجميع المصالح الفردية لا يشكل مصلحة أمة، إن واقع أمتنا ومحوريتها بالنسبة لمصالح العالم وقضاياه وموقفنا تجاه ذلك كله يحتم علينا النظر والتصرف كمجموع متكامل موحد المصير والمصالح موحد الإرادة، وإيمان أبناء المجتمع بمصلحة مجتمعهم هو الدافع وراء التضحية في سبيل مصلحة المجموع، وهذا لا يتعارض مع اعتقادنا بأن المبادئ وجدت لخدمة الشعوب وليس الشعوب لخدمة المبادئ، حيث متى كانت المبادئ تمثل في المجتمع وعموم الشعب كان لزاماً على المجتمع تكريس مبدأ التضحية من أجل رقي المجتمع.

ج‌.المقياس النفسي والعلمي وتجييره للصالح العام:

«إن سورية تمثل لنا شخصيتنا الاجتماعية ومواهبنا وحياتنا المثلى ونظرتنا إلى الحياة والكون والفن، وشرفنا وعزنا وصبرنا، لذلك هي لنا فوق كل اعتبار فردي وكل مصلحة جزئية» /المحاضرات العشر – طبعة عام 1984- ص108/، بما أن الحزب السوري القومي الاجتماعي هو الأمة مصغرة وهو الدولة القومية المعبرة عن حقيقتنا ومصالحنا وإرادتنا، فإن الحركة التي أسسها أصبحت فعلاً على الأرض وليست مجرد وهم لا وجود له، هذه الحركة التي ثبتت وجودنا وأعادت إنشاء قوميتنا ببعث مفهوم الأمة من بين الركام، إذاً هي تمثل لنا شخصيتنا المعبرة الناطقة باسم سورية وفيها تكمن وتتكامل روح الأمة وينمو وجدانها القومي، وبما أن الأمة واقع اجتماعي يشكل المتحد الأتم لإكمال دورة الحياة الاقتصادية والاجتماعية، إذاً فإن سورية هي محور عملنا وبما أن الحزب استطاع الصمود من خلال فكره وعقيدته وحركته عبر نظام فكري واضح ونهج قومي صريح فنحن على السكة الصحيحة في عملنا، لقد أخرجتنا الحركة وأخرجت معها عموم المجندين والمطلعين من زواريب السياسة إلى طريق النهضة الحقيقي،

وبتحديد اتجاه عملنا نحو حقيقتنا نحن السوريين وتثبيت حقوقنا السياسية والاقصادية لم يعد هناك شك في سلامة الوصول إلى النهضة، ففي حركة الحزب لا نرى طوابير المنتفعين لأن العمل الذي يجري لا يمكن تجييره باتجاه شخص أو عشيرة أو طائفة، وكل انتصار حققه هذا الحزب وهذه الحركة النهضوية العجيبة كان هدفه مصلحة سورية الشعب والوطن، وإن الهدف الأسمى لحركة الحزب وقيام نهضة هو تعميم نظام قومي اجتماعي جديد يكون حرباً على كل بال مهترئ موروث من فترة البلبلة والفوضى، وهذا النظام والمسير نحوه تحت مظلة مصلحة سورية فوق كل مصلحة يشكل معياراً ومقياساً في وعي أبناء النهضة أبناء الحياة الاجتماعية.

المصدر : الموقع الرسمي
الكاتب : عمدة الإذاعة والإعلام ssnp-sy.com

إقرأ أيضاً
لا يوجد ألبومات صور مرتبطة بهذا المقال

رأي ومقال

العالم العربي /أزمة عقل- أزمة معارضة/

أردوغان يخسر معركة الرقة قبل أن تبدأ

اردوغان طموحاتك واحلامك على ارضنا ليس لها مكان

في ذكرى يوم الفداء

تموز مولد الحياة وسخاء العطاء

فكرنا في حلقات

المبادئ الإصلاحية /2/

المبادئ الإصلاحية /1/

المبادئ الأساسية /2/

المبادئ الأساسية /1/

يهودية الصهيونية