المبادئ الإصلاحية /1/

.

2015-07-02
المبدأ الأول: فصل الدين عن الدولة أ‌.الدين وتناقضه مع القومية:

المؤسسات الدينية من أعرق المؤسسات في العالم، ومع تشكل المجتمعات البشرية وحتى قبل استقرارها بالمعنى الحقوقي، نشأ الدين في بداياته ممزوجاً بالخرافات التي توهمها الإنسان في تفسيره للظواهر المؤثرة في مجرى حياته، فنشأ سلك بسيط من العرافين والمشعوذين، وباتباع طرائق وطقوس بدت سحرية للآخرين، من هذه الزاوية ونتيجةً لتفرغ الساحر في المجتمع واشتغاله بكل هذه المعضلات بدأ هؤلاء بوضع قوانين لحركة وحياة الجماعة تعتبر بداية التشريعات الدينية التي تحكم حركة الناس وتخطيها أو مخالفتها قد يثير الأرواح ويغضبها. مع تطور هذه المجتمعات حلت الشرائع المستوحاة من السماء وتطور دور الساحر ليكون كاهناً وهكذا، حتى وصل هذا السلك إلى صوره التي نراها اليوم، بهذه الصورة التي أضحت عليها المؤسسة الدينية أصبح محالاً عليها التخلي عن دورها في التدخل في حياة البشر وأخذها موقع الريادة في اعتبار نفسها المرجعية الأولى والأخيرة في الدولة، هذا طبعاً نابع من كون اعتبار نفسها استمراراً للسلطة الإلهية المقدسة أو على الأقل الموكلة بذلك، على هذا لم يكن ممكناً للبشر الاعتراض أو الاحتجاج،

وبطبيعة الحال فهي تعتبر نفسها موكلة بحياة البشر وبكل نواحيها المادية والروحية، لذلك أعطت لنفسها السلطة المطلقة للتصرف بحياة الناس. تطورت المجتمعات البشرية تطوراً هائلاً خلال القرون الأخيرة وأنتج ذلك التطور مصالح اجتماعية تتباين من مجتمع لآخر ومن أمة لأخرى، ما يقتضي حالة تشريع جديد يوازي هذا التطور ويجاريه، فنشأ الصراع بين المؤسسة الدينية وسلطاتها وبين الشعوب وتطلعاتها القومية والوطنية، وابتدأت الإرادات الشعبية تفرض رؤيتها وتنتصر لمصالحها العامة ونشأت المدارس السياسية العصرية التي أزاحت حكم السلطات الدينية وأعطت المساحة كاملةً لإرادة الشعوب، هذا الأمر أصبح أمراً واقعاً في الشعوب الآخذة بأسباب نهوضها، أما الشعوب الرازحة تحت تأثير تخلفها فلا تزال المؤسسات الدينية فاعلة في أوساطها متمسكة بمواقع سلطاتها مستفيدة من جهل الشعوب لموقع إرادتها ومصالحها مستسلمة لتسلط هذه المؤسسة على شؤونها لضعف شعورها بوجودها الفعلي،

فهي ما تزال في دائرة رد الفعل، إذا ألقينا الضوء على طبيعة الدولة والدين فسنجد أن الدين خالٍ من كل ما هو قومي أو حتى وطني، في التركيبة الدينية يترابط المؤمنون بفكرة واحدة ويشكلون أمة مزعومة، أساسها وهم قائم على مجموعة أفكار لا أرض تجمعهم ولا مصالح بيئية ولا اتفاق على أسس حياتية معيشية واحدة متجاوزة كل مقوم من مقومات الحياة التي تميز الأمم، وهؤلاء بمجموعهم منقادون إلى مرجعية واحدة تتصرف بشؤون حياتهم، فالمؤسسة الدينية تنافي كل واقع قومي وحالة وطنية إذا لم يكن فيها مصلحة للمؤسسة الدينية فهي ضدها، بل قد يعتبر العمل الوطني ضرب من الجنون والفسوق، فالأرض لله يعطيها من يشاء والجامعة الوحيدة هي الدين، وعند الدفاع عن مصلحة هذه المؤسسة الجامعة من هذه الزاوية سنجد التزاحم حول الاحتفاظ بمركزية المؤسسات الدينية حتى التطاحن والحروب، فتركيا حققت الكثير لمصلحة تركيا كونها مركز المؤسسة المحمدية ولما ظهرت الدعوة الوهابية لمنافستها جندت كل قواها لدحرها، والشعوب ومؤسساتها القومية، حيث لم يمكنها مقاومة هذه المؤسسة قلبت الموضوع من الداخل، فالألمان اتخذوا من البروتستانتية ملجأ للهروب من سلطة روما، وإيران وجدت في التشيّع انعتاقاً من الدولة العربية، والإنكليز أوجدوا كنيستهم الخاصة في النتيجة النهائية،

فإن المؤسسة الدينية تحاصر حركة الشعوب وتحد من حيوية الأمم عبر امتلاكها ناحية السياسة والشؤون الحياتية العامة من اقتصادية وتعليمية وحتى عسكرية وتقسم المجتمعات وتعمل على إحداث شروخ في تركيب مصلحتها استناداً إلى مصالحها الطائفية الضيقة وهو سلاحها الدائم، لذلك تصبح من هذه الزاوية ضرراً ليس على المجتمع من الناحية السياسية الاقتصادية فحسب، بل حتى من الناحية الدينية الأخلاقية أيضاً، فبهذه النقطة تصبح تهديداً للأخلاق العامة والروحيات المؤتمنة أساساً على رفع مستواها، فالمؤسسة الدينية بانزلاقها إلى مستوى التحكم بحياة الشعوب تصبح خطراً على نفسها وعلى من يدخلون تحت سيطرتها وسطوتها، وبهذه العقلية تنحدر المؤسسات الدينية إلى أسوأ حالاتها لتصبح مؤسسة تشرّع للجريمة الاجتماعية وعامل تفسخ يضرب وحدة المجتمع وتسمح للموتورين بتنصيب أنفسهم محامين ومدافعين عن الشعب ومصالحه وتحت طبقة المصالح المتضاربة مع الشعب وتداخل المصالح القومية مع غيرها وضياع الحقوق الوطنية تصبح السياسة هي الموجه للدين فتنتشر البعثات التبشيرية والدعوية، وبين المبشر والداعية تضيع الغاية المرجوة من الدين، وهي الأخلاق ورفعتها وسموها، من خلال الخير على جميع البشر إلى حالة من الحقن المذهبي الطائفي ليصبح الدين كابوساً وهمّاً على معتنقيه وغولاً على المخالفين ويجب التخلص منه.

«هذه هي الوجهة التي يحاربها الحزب السوري القومي الاجتماعي لا الأفكار الدينية الفلسفية أو اللاهوتية المتعلقة بأسرار النفس والخلود والخالق وما وراء المادة». /المحاضرات العشر – طبعة عام 1984 - ص117/، إذا عملت كل جماعة حسب عائدية مراجعها الروحية في شؤونها الحياتية فسنرى انعداماً للوجود القومي وتفسخاً في الحالة الوطنية، عدا عن تلاشي الإرادة العامة لتصبح إرادات متنافرة فيفسح المجال أمام التدخلات الخارجية لتفرض شروطها في حل أي مشكلة سورية ويختفي صوت الشعب صاحب المصلحة لأنه أوكل مصالحه للآخرين وأدخل هؤلاء في قضيته وحلت إرادتهم محل إرادته، إذاً فإن الدولة التي لا فصل فيها بين السياسة والدين ترتبط دائرة مصالحها مع الدائرة الأقوى وتصبح البلاد منطقة نفوذ لمركز هذه الدعوة أو تلك لتمرر مصالحها عبر سلطة المؤسسة الدينية، فتنعدم حالة التآخي القومي، بالتالي فالدولة القومية لا يمكن قيامها على أسس الدين لأنها لا تعتمد مبدأ التآخي العام الإنساني داخل المجتمع، بل تتجاوز الحدود وخصوصيات الأمم إلى مجتمعات أخرى فد تتناقض مصالحها مع مصالحنا، ولا تعود المصالح مصالح قومية بل مصالح جماعات دينية متوزعة بين المجتمعات، فتزول وحدة الحقوق ويبطل وجود إرادة قومية وتتحطم الهيئة الاجتماعية لتصبح هيئات ولتظهر تناقضاتها للرأي العام، فلا يعود هناك أمة، وتسعى لنيل حصتها من هذه الأمة أو غيرها دون أن تحصل على شيء ودون أن توحد أمة بل تفتتها.

ب‌.أهمية العقل بالنسبة للإنسان:

«أما الإنسان فقد أعطاه القوة المميزة المدركة لينظر في شؤونه ويكيفها فيما يفيد مصالحه ومقاصده الكبرى في الحياة فليس معقولاً إذاً أن يعطل الله هذه القوة بشرع أزلي جامد، لذلك كان العقل الإنساني، كان الإنسان، كان المجتمع الإنساني حراً بإرادة الله». /المحاضرات العشر – طبعة عام 1984 - ص122/.

فنحن إذا نظرنا إلى إرادة الله، نرى أن الله وفي كل المسائل المتعلقة برسائل السماء إلى الأرض دفع باتجاه العقل وتفعيله وترك حساب النتائج للعقل على اعتباره الشرع الأول، والمقصود الأول في أهلية الإنسان لتلقي رسائل السماء، فإذا كان للشأن العقلي هذه القيمة الكبرى في تقرير مصيره ومصير مجموعه، فهل يعقل أن يحد الله من حيوية هذا العقل وهذه القيمة، إن الذين يطلبون من الناس عدم مناقشة شرع الله وأن قيمة قدسيته تكمن في تطبيقه دون المساس بحرفيته أو البحث عن الأسباب الكامنة وراء فرضيته والالتزام بتطبيقه، إن هذه الحالة تدفعنا للقول إن هذه السلطات بوحي من تمسكها بالسلطة الزمنية تحرم وتجرّم من يقول عكس مرتجاها وغايتها، في حين نجد أن المتنورين من رجّال الدين قد وضعوا اليد على العلّة وهي موجودة لا شك في عدم فهم التطبيق وعلّة وجود الشرع أصلاً «متى عرف الإنسان كيف يقوم بواجب الأخوة نحو الإنسان استغنى الحق عن الأديان». /الآثار الكاملة ج2 ص113/.

هذه العبارة أطلقها أمين سر الفتوى في لبنان الشيخ عبد الحميد سلام وهي تصب في صلب الموضوع، فالشرع وجد لتحسين حياة البشر وبالتالي الدين وجد لتشريف الحياة وليست الحياة وسيلة لتشريف الدين، إن عملية التعاطي مع الشرع هي المعوّل عليها، فإذا تعاملنا معه على أنه قوانين جامدة لا تقبل مجرد النقاش تحولنا إلى عبيد لذلك الشرع، أما إذا تعاملنا معه على أنه تعليم لنا لصياغة وإقامة الشرائع المناسبة لتحسين حياتنا والمضي نحو تقرير مصير مجموعنا حتى عرفنا أن الشرع هو صياغة مصالحنا حسب قوة تميزنا وإدراكنا سرنا إلى الأمام دون معين وعرفنا قيمة الإنسان وقيمة العقل، بهذا فقط نستطيع فهم الغاية الإلهية الكبرى من رسالة المسيح فهو من قال: «ما جئت لأنقض الناموس بل جئت لأكمله»، فلو كان الناس أعطوا الشرع حقه ومكانه وابتعدوا عن استغلال المؤسسات الدينية لتطبيقه كما علمهم واتخذوا منه مثالاً لاستنباط ما هو مفيد لهم لما كانت رسالة المسيح، ولو أن الشرع له هذه الخاصية من الاستمرار الدائم المتجاوز للشروط الاجتماعية والاقتصادية والتاريخية لما احتاج الله لأن يجعل في القرآن ناسخاً لشرع ومقيماً لآخر، وذلك في صدر الدعوة المحمدية، ولأنزل من المرة الأولى شرعاً واحداً أبداً سرمداً، أما والحالة هذه فنحن نقول إن الشرع وجد ليتعلم من لا يعلم كيف ينظم حياته وليتعلم من يعلم كيف يسير الآخرون عله يستبدل من قوانينه وتشريعاته شيئاً غير منتبه له، أما القول حول تراخي الناس وانجذابهم نحو ما هو كائن، فنرى أن السائرين دون تفكير وراء الجمود وانعدام حسن المبادرة ينعمون بأنهم يساقون إلى قدر ترسمه لهم السلطة الدينية، فإذا وقعت الواقعة قال قائلهم هذا قدر الله وهذه مشيئته والحقيقة أن هذا هو ما قدّروه لأنفسهم وهذه مشيئة كسلهم وإيقاف عقولهم فالله لا يقدّر على قوم الفقر والذل والهوان والتخلف إلا بقدر ما يريدون، وإلا لبطل كثير من أقوال القرآن حول هبة العقل ودوره في حياة البشر، الله أعطى وهيأ لهذه الأعطية في الحياة، والبشر أخذوا على قدر همتهم فمنهم من رضي بما هو عليه فخنع وارتد في حياته ومنهم من تقوّى وأعطى لعقله العنان في فن الحياة فوصل إلى أعلى مراقي الدنيا وخلود الآخرة.

ج‌.غياب الفلسفة العقلية يقوي نفوذ رجال الدين والفلسفة الغيبية:

بما أن الشعوب التي تسلّم قيادتها لمؤسسات غايتها حفظ مكانتها والحفاظ على مكاسبها، فإن هذه المؤسسات تعمل بكل ما أوتيت من قوة للحفاظ على ما وصلت إليه، وأولى هذه الأعمال تعميم الجهل والتخلف، فالمدرسة الوهابية على سبيل المثال وبفتاوى صريحة وممارسات على الأرض تستغني عن العلوم التطبيقية وعن العلوم الإنسانية وتكتفي بالعلوم الشرعية، بل تذهب أبعد من ذلك بتجهيل أساس المجتمع وهو المرأة، فالمرأة هي الأم أولاً ثم الأخت، فهي حقيقةً أم المجتمع وهي شقيقته التي تقوم مقام أمه، فإذا كانت صفتها جاهلة لا تستطيع أو ليس لها سبيل لتفعيل العقل استوجب أن المجتمع يقع في فخ الجهل، والجهل هو والد التخلف وحاضنته، وهذا هو الأسلوب عينه الموروث عن العثمانية التي بدورها ورثته عن المماليك ومن سبقهم حتى نصل إلى عصر العباسيين والأمويين وفظائعهم ضد من أدخل أسلوب العقل لمناقشة الدين ومعرفة مقاصده على قاعدة «من لا عقل له لا دين له» لكن هؤلاء وحفاظاً على مواقعهم منعوا كل تفكير وكل فلسفة فأعدم غيلان الدمشقي بأبشع صوره وكذلك الجعد بن درهم وحورب ابن سينا، وهكذا حتى أصبح المشتغل برياضة العقل زنديقاً والحقيقة الكامنة وراء ذلك ليس الحفاظ على بيضة الإسلام إنما الحفاظ على مكاسب وسلطة رجال الدين بغياب صوت العقل وتفشي الجهل والتخلف، تراجعت المدرسة الدينية الأخلاقية اللاهوتية نفسها وصار إنتاجها متشابهاً من حيث الجوهر وإن اختلف في المظهر، ومع تفشي حالة التطور ولو ظاهرياً في مجتمعاتنا نجد أن المدرسة الدينية تقوم بشد الناس إلى الخلف عبر التهويل بفلسفات غبية لا تمت أصلاً للدين بصلة، عدا عن أن رجال الدين باتوا يتدخلون بطقوس الناس ويعطونهم فتاوى خاصة وبخصائص خاصة تخول هؤلاء اقتحام أبواب الجنة عبر تعاويذ رقمية معدودة ويصبح حديث الناس هو أوراد وقيمة هذه الأوراد وهذه الركعات وتلك الصيامات، وكأن الأنبياء والرسل أخفوها عن الناس ليأتي هؤلاء فيفضحوا تقصير أولئك، بل ذهبت بعض الفتاوى لتنصيب هؤلاء أنفسهم مكان الله لفض النزاعات بين الملائكة والتدخل فيما هو من شأن الخالق، هذه السلسلة التي إن دلت على شيء فعلى تخلف السائرين في ركابها والعاملين على تقويض أسس العقل وخاصية التفكير التي وهبها الله للبشر.

المبدأ الثاني: منع رجال الدين من التدخل في شؤون السياسة والقضاء القوميين: أ‌.وحدة القانون والتشريع ضروري لوحدة النظام العام:

لا تستسلم مؤسسات كهذه بصورة سريعة ولن تقوض نفوذها بشكل ينهي تعلقها بالسلطة الزمنية، وهي لا تعدم وسيلة للعودة إلى مواقعها وخير وسيلة هي النفاذ عبر القانون ومنه إلى السياسة، ففي كل بلادنا السورية لا يوجد رأس للدولة ينتمي إلى المؤسسة الدينية ولا تحكم المؤسسة بشكل مباشر، من هنا تأتي أهمية هذا المبدأ في قطع الطريق على هذه المؤسسة وتعلقها بالسلطة الزمنية مباشرةً أو عن طريق غير مباشر، إن قوانيننا المعمول بها لا تزال تستند إلى الدين، وكما أسلفنا بتعدد المرجعيات الدينية ورؤيتها ونظرتها للحياة تتعدد تفسيراتها وتطبيقاتها القانونية، وبالتالي تعود المؤسسة الدينية بتعدد مذاهبها وطوائفها للسيطرة على حياة الناس من خلال رؤيتها لمصالح الناس وتطبيق شرائعها المتعددة لنعود إلى نقطة البداية، فتعدد المراجع القضائية يفضي إلى تفسخ الروح العامة وضرب وحدة الحياة بتعدد الناظرين والمفسرين وتتجزأ وحدة المجتمع المصلحية والروحية من جديد ويفقد مجموع الأمة وحدة الإرادة وينعدم قيام نظام عام يتناول حياة الشعب ليصبح نظامات نفسية متعددة وينعدم تشكيل هيئة اجتماعية واحدة متكاملة إذا بقي لرجال الدين التصرف بالقانون ويخضعون الناس كل حسب مذهبه إلى مجموعة قوانين لا تحكمهم ولا تعاملهم كمقابل الحالة الواحدة بنتيجة واحدة عندها لم يعد ممكناً إنشاء عقلية اجتماعية واحدة تجاه ذات القضايا السياسية الحقوقية للأمة. من جهة أخرى، فمتى أصبح القانون قانوناً طائفياً ومذهبياً سهّل على رجال الدين التسلل إلى الشؤون السياسية عبر قاعدة الحقوق القانونية التي تحكمها الحقوق السياسية للجماعة الدينية وقد تشكل السياسة منفذاً مستقلاً لتشكل ملعباً لرجال الدين ومدخلاً لعودتهم إلى التسلط والقبض على زمام أمور الأمة، لذلك وجب وضع قانون يستند إلى المصلحة القومية وقطع الطريق على رجال الدين من أي باب أرادوا الدخول، ليبقى الدين في مكانه الحقيقي وفي رفعته التي أريد لها، مركزاً يشع أخلاقاً وقيماً تنير درب المؤمنين في معادهم وتحسن أدائهم الأخلاقي في حياتهم.

ب‌.خطورة تدخل رجال الدين في السياسة والقانون القومي:

ألمحنا إلى محاولة المؤسسة الدينية التسلل عبر القانون أو السياسة لاستعادة مكانتها والمشكلة ليست في هذه الإجراءات بل في نتائجها، لذلك وجب وضع الأسس والقواعد لضبط كل من القانون والسياسة على قواعد الوحدة القومية ومصلحة الأمة دون محاباة أو مراهنة على المؤسسة الدينية، وقد تتقاطع هذه الأسس مع بعض القوانين والسياسات المستندة إلى أسس دينية، وهذا لا يعني بطبيعة الحال مهادنتها، فكثير من النظم القانونية والسياسية لدول تتقاطع إن في شكلها أو غايتها لكنها تتباين في حقيقتها وفي دلالتها على مقاصدها، نرى كثيراً من رجال الدين المسيحي أو المحمدي يتنطحون للحديث عن حالة قانونية تخص أفراداً أو جماعات من مذهب معين لا يلبثون أن يحولوا حديثهم عن حقوق سياسية تخص تلك الجماعة ثم يأخذوا دور المدافع عنهم وينصبوا أنفسهم للتحدث باسمهم ويستدعوا قوى خارجية لمساندتهم في الوصول إلى الحكم والتسلط تحت شعار حماية هذه أو تلك من الجماعات المهضوم حقها حسب زعمهم، من هنا تكمن خطورة هؤلاء وخطورة تدخلاتهم لذلك وجب مراقبة أقوالهم وأفعالهم ووضعها تحت السيطرة وإقامة قانون قومي اجتماعي يضمن حقوق أبناء الأمة ويؤطر الحالة الحقوقية للمواطنة الحقيقية ليجعل من كل مواطن حارساً على وحدته الاجتماعية، إضافةً إلى إقامة نظام قومي عام يتيح للجميع حرية الرأي والممارسة على قاعدة مصلحة المجتمع وتعميم المعرفة ورفع سوية التعليم لتحاكي مصلحة الأمة وإقامة نظام تعليم قومي يفسح المجال للعلوم العقلية بالعمل لتحقيق رفعة وسمو المجتمع.

ج‌.انحطاط مستوى الدين ومحاربتنا للوجهة السياسية منه:

بتدخل رجال الدين في السياسة مباشرةً أو مداورة وممارسة الاحتيال لذلك، فقد أدى ذلك إلى انحطاط مستوى هذا الدين في نفوس أتباعه، فضلاً عن الناظرين إليه من الخارج، وفقد رجال الدين احترامهم في النفوس، لكن وقوع مواطنينا في شرك الانفصام في الشخصية وخوف عموم المجتمع بعضه من البعض هو الذي يمنع من المجاهرة بتلك الظاهرة، إن اشتغال رجال الدين في السياسة يجعل منهم سخرية بين رعاياهم لكن أحداً لم ولن يجرؤ على الحديث عن ذلك خوفاً من باقي أبناء المجتمع له حتى لو قيد للجميع حرية الرأي والعمل الجدي بواسطة هذه الحرية، لقام الناس بسحل عموم رجال الدين في الشوارع من قبل رعاياهم، هذه الحالة التي حمّلت رجال الدين نتائج أحقاباً متعددة من الجهل والفقر والتخلف انسحبت على الدين، لذلك ترى عدداً من أبناء الأمة يرفضون الدين جملةً وتفصيلاً ولكن بعد فترة من العمر ونتيجة أن قرارهم السابق ناتج عن ردة فعل لا عن درس حقيقي لما هو ديني وما هو سياسي نراهم ينحازون للدين بشكل متطرف ويدافعون عن رجل دين كانوا يرونه في السابق الشيطان بعينه، إذاً انخراط رجال الدين في السياسة حطّ من شأن القائمين عليه وأصبح الدين هدفاً لأتباعه الذين يرون فيه من خلال رجال الدين تقييداً لهم ولرغباتهم بغياب الوعي الأخلاقي الروحي بفعل رجال الدين أنفسهم،

هذه هي الوجهة التي يحاربها الحزب السوري القومي الاجتماعي، إدخال السياسة إلى الدين وتحميل هذا الدين أو ذاك مسؤولية الأوضاع الناتجة عن فعل رجال الدين، إننا نقف من الدين في وجهته الروحية كمجموعة أخلاقيات إذا تمكن أصحابها من ممارستها عمّ الخير على الجميع، ننظر إلى الدين كمحرر للعقل من الخرافات عبر تنمية فضائل إنسانية ومناقب عامة تساعد على بناء المجتمع، لا على أنه مجموعة أنظمة ولوائح مقيدة لحرية المجتمع وتقدمه.

المبدأ الثالث: إزالة الحواجز بين مختلف الطوائف والمذاهب: أ‌.تقاليدنا نابعة من مفاهيم دينية:

معظم مشكلاتنا الاجتماعية مسؤول عنها رجال الدين وسلطة المؤسسة الدينية، فهي التي أدخلت إلى عقولنا ونفوسنا مفاهيم لا تمت إلى حقيقة الدين في شيء ونشأ من خلال مرور الزمن تقاليد تدين بوجودها وتعميمها إلى سلطة رجال الدين، من هذه التقاليد وأخطرها النظرة للآخر الذي يخالف في بنيته النفسية الدينية الناشئة أيضاً من مفاهيم خاطئة كرّسها رجال الدين، بالتالي تحول أبناء المجتمع إلى جماعات منقسمة في حقيقتها متآلفة في مظهرها، هذه الحالة جرت علينا ممالك اجتماعية أدخلت في الدين ذاته وأصبحت من مستلزمات الدين، بل أصبح التعلق بها والتقوّل فيها هو الأساس الذي يبنى عليه الدين وهي خبز وزاد المتدين، إضافةً لتمسكها بطقوس شأنها فقط إظهار مخالفته للآخر، فلم يعد الطقس يمثل شيئاً روحياً بقدر ما يكرس الاختلاف والتفارق، وهذا الأمر أدى إلى ظهورنا بعقليات متضاربة متخالفة في مصالحها في نظرتها للكون والفن والحياة سامية إلى مثل عليا، كل على شاكلته.

ب‌.خطورة الحالة القائمة وكيفية التغلب عليها:

إن هذه الحالة التي أصبح عليها المجتمع تعني زيادة تفسخه وزيادة اضطرابه لأن من شأن هذه التقاليد سحب هذه الحالة على الحياة الاقتصادية التي تشكل العمود الفقري للحياة الاجتماعية الواحدة، فكم من عمل صناعي أو تجاري قوضت واستهلكت إمكاناته فقط لحالة دينية حين تجد من يغذيها، وكم من عمل ارتبط صاحبه بالخارجين عن مصلحة الأمة نتيجة مفاهيم دينية، فمثلاً لا يجوز للسنّي مشاركة الشيعي بعمل، وإن شاركه فعليه الحذر والعكس بالعكس، وكم من مؤسسة أبعدت ذوي الخبرة والكفاءة واستبدلتهم بمن لا يليق فقط لمخالفة أولئك وموافقة هؤلاء، وكم من بيوت قوضت ولم تر النور للسبب نفسه، هذه التقاليد التي تتحكم برقاب الشعب، فتمنع أو تجيز فعلاً معيناً، حملت الويلات ولم تجد المحاولات السطحية لمحاربتها والحد منها تمهيداً لنسفها، وحده الحزب السوري القومي الاجتماعي وضع الحلول الناجحة من خلال اعتماده الأخوة القومية الحقيقية وأقام مفهوم الأمة على وحدة الحياة المشتركة، وحده أوجد الحل ومن خلال إقامة دولة الأمة على أساس من الحقوق والواجبات وأقام حقيقة الانتماء إلى الأمة، فأصبح المواطن -أي مواطن- شريكاً حقيقياً في الواجبات التي تمنحه حق المشاركة في بناء أمته ودولته تحت سقف نظام قومي اجتماعي، في ظله تنمو مصالح الأمة المشتركة وتقام تقاليد قومية بدل التقاليد المستمدة من مفاهيم دينية مغلوطة أو جزئية.

ج‌.ضرورة إقامة تقاليد قومية:

إن التساوي في الحقوق يعني التساوي والمشاركة في الواجبات، إن باب النفاق القائم هو في التقول بتعابير مثل: إخواننا المسيحيين أو إخواننا الدروز.... الخ، وفي حين يكال لهؤلاء وهؤلاء، على ذلك لا يمكن إفساح المجال للمساواة بين أبناء الوطن على قواعد التقاليد البالية المستمدة من مفاهيم دينية، وبما أن الوحدة القومية لا يمكن أن تقوم على الدين، فإذاً الحقوق والواجبات والمساواة بين أبناء الوطن لا يمكن قيامها على المفاهيم الدينية، إننا في الحزب السوري القومي الاجتماعي نقيم تقاليدنا القومية على قاعدة المشاركة والعمل القومي لا على قاعدة الانتماء الطائفي الديني، على قاعدة وحدة المصالح القومية، وننظر للفرد على أنه قيمة وإمكانية إنتاجية بطريقة من الطرق وبحسب موقعه، بذلك نقيم حقيقة تقاليد قومية نسعى إلى تعميقها وتكريسها في نفوس أعضاء الحزب ثم أبناء الأمة.

المصدر : الموقع الرسمي
الكاتب : عمدة الإذاعة والإعلام ssnp-sy.com

إقرأ أيضاً
لا يوجد ألبومات صور مرتبطة بهذا المقال

رأي ومقال

العالم العربي /أزمة عقل- أزمة معارضة/

أردوغان يخسر معركة الرقة قبل أن تبدأ

اردوغان طموحاتك واحلامك على ارضنا ليس لها مكان

في ذكرى يوم الفداء

تموز مولد الحياة وسخاء العطاء

فكرنا في حلقات

المبادئ الإصلاحية /2/

المبادئ الإصلاحية /1/

المبادئ الأساسية /2/

المبادئ الأساسية /1/

يهودية الصهيونية