المبادئ الإصلاحية /2/

.

2015-07-02
المبدأ الرابع: إلغاء الإقطاع وتنظيم الاقتصاد القومي على أساس الإنتاج وإنصاف العمل وصيانة مصلحة الأمة والدولة

في هذا المبدأ لا بد من الوقوف على عدة أمور، أهمها أن المبدأ يقدم نظرية اقتصادية متكاملة خلافاً لما يعتقده الكثيرون فهو يعنى بتنظيم الاقتصاد، مبرراً التنظيم بإلغاء المعوقات ثم تحصيل النتائج، وهذه المسائل هي شروط أي نظرية علمية لا سيما للدارسين، وصلاحية هذه النظرية وعدم استهلاكها لذاتها قائم في سعة الأفق الذي تحمله، وذلك بالابتعاد عن التفاصيل المتروكة لعامل الزمن والتطور، ولو قام حضرة الزعيم بالحديث عن تلك التفاصيل لكان وقع في فخ الاستهلاك للنظرية كما وقع به ماركس وقبله منظرو الرأسمالية، فاعتبروا النظرية الاقتصادية تقوم على أساس ملكية وسائل الإنتاج وتحديد ساعات العمل وحساب الفائض عن الإنتاج وتوسيع قواعده وحسابات العرض والطلب في السوق وهكذا، فهم بذلك وضعوا أسساً وبرامج تطبيقية واعتبروها نظريات في الاقتصاد، بينما وضع حضرة الزعيم نظرية علمية قائمة على أسس قومية اجتماعية فالمصلحة ليست مادية حسابية بحت، إنها الحالة الاجتماعية تفرز الحاجات وتحققها،

من ناحية ثانية فإن النظرية العلمية التي قدمها حضرة الزعيم لا يمكن تطبيقها في ظل نظام سياسي اقتصادي غير سليم وإلا كانت كمن يرقع ثوباً قديماً بقطع قماش جديدة فلا انسجام ولا تناسق. لذلك عند الحديث عن النظرية الاقتصادية القومية علينا تصور نظام سياسي قومي اجتماعي ذي دورة حياة اقتصادية تلبي حاجة الأمة، بالتالي فالحديث عن الدولة في هذا المبدأ يتناول حكماً الدولة القومية بمعناها القومي الاجتماعي والتي تمثل مصالح الشعب الحقيقية، «نحن نعتقد أن درساً اقتصادياً صحيحاً من الوجهة القومية على أساس نظام سياسي لا قومي صحيح هو درس عقيم لا يمكن أن يعطي نتائج صحيحة» /المحاضرات العشر- طبعة عام 1984- ص 132/.

أ‌.نتائج الحالة الإقطاعية على الأرض:

لم يعد هناك حالة إقطاعية على منوال ما كان قائماً في القرنين الماضيين، فقد تطورت حالة الإقطاع لتشمل كل نواحي الحياة، فبالإضافة إلى الإقطاع الزراعي المتعارف عليه يمكن ومن خلال تعريف الإقطاع أنه حجز حالة إنتاجية لصالح فرد وتجييرها لمصالحه ومزاجيته الخاصة، بذلك يمكن القول إن هناك إقطاعاً زراعياً وصناعياً وتجارياً وسياسياً ودينياً وعلمياً وأدبياً وإلى آخر سلسلة الإقطاعات التي تقع تحت الاستغلال الفردي والنفسي، فماذا تجر هذه الإقطاعات على البلاد؟ إذا ألقينا الضوء على تنوع الإقطاعات وطرائق حياتها نرى أن الإقطاع الزراعي اليوم يتم تحت عناوين مختلفة، فأصحاب رؤوس المال ابتدعوا حالة الأراضي الخاصة فأصبحت مناطق زراعية كبيرة تحتجز تحت عنوان مزارع خاصة تحولت إلى مناطق استجمام فحرمت البلاد من أساس الإنتاج الزراعي الذي تقوم عليه بلدنا، كما حرم عدداً هائلاً من العمال الزراعيين وعائلاتهم من عملهم ليتحولوا إلى عاطلين عن العمل أو متسولين أو يقومون بأعمال لا إنتاجية ولا إنسانية، وهؤلاء الإقطاعيون هم طبقة من السياسيين أو العسكريين أو شركائهم من المتنفذين الماليين أو أمراء الطوائف وأصحاب الصناعات أصبحوا يوقفون جزءاً من رأسمالهم لمثل هذه الحالات بدلاً من زجه في عملية إنتاجية وقسْ على ذلك، حتى الإقطاعيات المذهبية.

إن حرمان الأمة من رأسمالها الطبيعي وما يترتب عليه من تعطيل وسائل إنتاجها والبحث عن الربح السريع طبقاً لمصالح الأفراد ومزاجيتهم يحول اقتصاد الأمة إلى حالة الضياع ويجعل القسم الأكبر من الشعب تحت رحمة قلة مستهترة غير شاعرة بمسؤولية تجاه الأمة ويسهل تسريب رؤوس الأموال إلى الخارج والتعاطي حتى مع أعداء الأمة، ويعمم على هؤلاء انتشار الترف، وتنتقل الأمة من حالة الإبداع إلى حالة الاحتيال والتمظهر الخارجي، ثم ما يلبث هؤلاء أن يستقدموا اليد العاملة الخارجية إرضاءً لحالة الربح السريع وحالة التمظهر، وذلك على حساب القوى العاملة الوطنية، ما يضطر هذه القوى إلى مغادرة البلاد، وبذلك يتحول المجتمع إلى حالة ميعان اجتماعي غير منضبط وغير منتج لحالة تطور يمكن أن يحسب حسابها، وهذا الأمر واقع في بلادنا مهما حاولنا خلق المبررات والأعذار.

ب‌.أهمية الإنتاج وزيادته:

«الإنتاج هو الأساس الهام للاقتصاد القوي وبدون الإنتاج لا يمكننا التفكير برفاهية الشعب» /المحاضرات العشر – طبعة عام 1984- ص134/. تقاس حركة الدول الاقتصادية بكمية التبادل التجاري الخارجي، فإذا زاد التصدير عن الاستيراد اعتبرت الدولة في حالة بحبوحة اقتصادية والعكس بالعكس، وهذه البحبوحة تعود بنا إلى دائرة الإنتاج الذي هو مقصد الدولة القومية، ففي ظل غياب حالة الإنتاج تبقى ثروة الدولة مبعثرة باتجاه استيراد الحاجيات، لذلك يجب تحويل المجتمع إلى حالة إنتاجية واسعة فلا يمكن وجود حالة خارج دائرة الإنتاج بشرية كانت أم طبيعية. كل إمكانيات الدولة القومية ستتجند للإنتاج، بهذه الحالة تنتقل إلى مرحلة الاعتناء بالإنتاج وتنميته ورفع سويته في الكم والنوع، بذلك يخضع الإنتاج إلى مرحلة تصنيف المنتج والمنتجين ليتم بذلك ضبط عملية الإنتاج ووضع آليات التعاون في عملية الإنتاج ليكون إنتاجاً مشتركاً، حيث لا عمل فردياً يقوم بكل مراحل الإنتاج، ففي ظل التطور الصناعي الحاصل أصبح الإنتاج يعتمد على ما يسمى خط الإنتاج، هذا يعني اشتراك الكثيرين بالمنتج الواحد، لذلك وجب ضبط العملية وضبط حصول كل منتج على نصيبه من الإنتاج وتأمين حق الأمة عبر تأمين حق العمل وحق الحصول على الناتج من هذا العمل، بوضع هذه الآليات لم يعد ممكناً إعطاء العنان للفرد للتصرف بالإنتاج ووضع حد للمزاج الضار بعملية الإنتاج والمنتجين.

قلنا إن مقياس الرواج الاقتصادي هو على قدر حجم التبادل والتصدير الخارجي، وهذا يقودنا للقول عن الدولة القومية الاجتماعية على امتداد سورية الطبيعة، أي كيان غير قادر على إقامة اقتصاد قومي، لأن الحالة الوضعية لأي كيان لا تساعد على ذلك، فإما أن يفتقر إلى الموارد الطبيعية، وإن توفرت فنراه يعاني نقصاً بالموارد البشرية، وإن توفرت فإنه احتاج إلى أسواق وطرق مواصلات، إذاً لا يمكن للبنان أن يقيم مصانع ومعامل تعجز عنها الشام أو العراق، وهذا إن عممناه فهو ذات النتائج لباقي الكيانات، فالعراق إذا أمكنه القيام بذلك فهو غير قادر على غزو أسواق العالم لافتقاره لليد العاملة وطرق المواصلات، والشام على ذات المنوال، وحتى لو تغاضينا عن كل ذلك فإننا سنجد أن المنتج العراقي في الشام أعلى من سعر منتج آخر من بلاد بعيدة، إذاً لا حل لعملية اقتصادية إلا بعملية متكاملة تشمل البلاد السورية بذخائرها الطبيعية وقوتها البشرية وتحكمها بطرق المواصلات العالمية «إذاً العملية الاقتصادية، الاقتصاد كموضوع لأمة ولشعب لا يمكن أن ينظر إليه إلا بالمنظار القومي، بمنظار المجتمع الموحد، الأمة التي هي وحدة جماعة ووحدة أرض، وحدة اقتصاد». /المحاضرات العشر – طبعة عام 1984 - ص140/.

ج‌.الأمة الزراعية تبقى مستعبدة:

إن أمتنا رغم امتلاكها كل مقومات الاقتصاد الصناعي لا تزال رازحة تحت الحالة الزراعية، وذلك لكون الإمكانات الاقتصادية خاضعة إما للرأسمال الفردي أو لنظام سياسي اقتصادي غير فاعل لذلك يعاني اقتصاد الدول السورية من حالة التضخم، ولا يمكن ملاحظة حالة نمو حقيقية وأقصى ما وصلت إليه تلك الدول هو نوع من الاكتفاء الذاتي المحدود في بعض نواحي الإنتاج الزراعي غير المصنع، لذلك كان من الواجب الانطلاق باتجاه تحويل بلادنا إلى حالة صناعية كبرى للتخلص من الحاجة إلى أمم ودول أخرى، في أزمات الدول السورية ظهرت الحاجة إلى تلك الحالة المطلوبة وفي أزمة الشام الأخيرة نرى بوضوح آثار الحالة الزراعية المتخلفة من جهة، ومن ناحية أخرى نرى آثار الإقطاع السلبي على البلاد، إن التصرف الفردي المطلق في الرأسمال الذي هو أساساً ثروة الأمة العامة والتي يجب أن تخضع لمصلحة الأمة، رأينا وعبر عقود أن هذا الرأسمال قد أقام صناعات استهلاكية محض لا يمكن أن تؤسس حالة اقتصادية ولا حتى وطنية، إضافة لعدم مقدرتها على المنافسة في الأسواق حتى لدول سورية، وفي حالة متقدمة نجد أن أصحاب هذه المنشآت أوقفوا حالة الإنتاج واستبدلوها بحالة استيراد وعملت أسس الفساد الناتج عن عدم وجود وعي قومي ضمن نظام اقتصاد سياسي سليم، إن الأمة لم تستفد من هذه المنشآت حتى على صعيد تحصيل الرسوم البسيطة، إن المستفيد الوحيد هو الرأسمال الفردي، عند وقوع الأزمة حظر على الشام حتى الاستيراد والتصدير إلى الدول السورية وفرّ أصحاب رؤوس الأموال وقام المرتبطون بالخارج بإحراق وإزالة ما بقي، لم يشعر الناس بأهمية الحالة الاقتصادية لأنها لم تلامس حقيقة حاجاتهم ولم تشكل حالة اقتصادية قومية تدفع الشعب للدفاع عنها، إن رأسمالنا الفردي ظهر بشكل سافر أنه أبعد ما يكون عن الاهتمام بأي قضية قومية وأنه غير معني بمصيرنا القومي، وهو مستعد للتعاون مع أي حالة أجنبية حتى ولو استهدفت مصلحة الأمة وهذا ما حدث مع تركيا والعرب وتعاون الرأسمال الفردي ضد مصلحة الشام والأمة عموماً، إن أزمة الشام وقبلها العراق تؤكد أن الحالة الاقتصادية والتجزئة القومية هي من أكبر عوائق النهوض والتقدم والتطور وتؤكد أن البقاء في حالة زراعية وتسلط الرأسمال الفردي على مصالح الأمة من أكثر العوامل المحطمة لهذه الأمة، إذا بقيت الحالة على ما هي عليه فستبقى بلادنا مستعبدة لتلك الدول ذات الصناعات الكبرى وذات الاتجاه القومي في تأمين مصالحها، في العراق لم يعد ممكناً رغم كل ثرواته توليد الكهرباء وصيانة ما لديه في الشام، اليوم لم يعد بالإمكان تكرير النفط وتصنيع الدواء وحتى تأمين الطحين وغيره، إن حالة إنصاف الأمة تعني الاهتمام بالإنتاج وتطويع الرأسمال الفردي للمصلحة العامة ضمن نظام قومي اجتماعي عام يضمن سلامة العمل والعمال وتأمين مصلحة الأمة والوطن والاشتراك في هذا الإنتاج وهذا العمل ليعود الرأسمال حالة من حالات الإنتاج المشترك.

د‌.مبدأ الائتمان ودور الدولة:

إن الإنتاج في ظل الدولة القومية يعني لنا الارتباط بوحدة المصالح، مصالح الأمة بالتالي، فعملية الإنتاج تكون ذات طابع قومي، المصلحة التي يحققها هي مصلحة أمة وليست مصلحة أفراد، من حيث هم أفراد، من هنا يبرز دور الدولة في وضع القوانين والأنظمة التي تحد من التصرف بالرأسمال على أسس ممكن أن تلغي وحدة المصالح في عملية الإنتاج، وبالتالي وضع آليات وأنظمة تضبط الإنتاج وتقسيم العمل وتوزيع الناتج حسب الجهد، وبالتالي يكون دور الدولة هو الحد من التصرف الفردي تجاه عملية الإنتاج وتجاه المنتجين ليتحول أصحاب الرأسمال إلى مؤتمنين على ما في أيديهم، وهذا لا يعني نزع الملكيات إنما ضبط كونها ثروة وطنية يجب إخضاعها لمصلحة الأمة، وكذلك فإن للدولة واجباً، والمجتمع يتحمل ذلك الواجب، وهو فسح المجال للرأسمال الفردي لفتح آفاق عمل جديدة، وتسهيل إقامة مراكز الأبحاث الصناعية وغيرها، ومساعدته على المنافسة في الأسواق العالمية، بذلك يصبح إنتاجنا إنتاجاً قومياً ينافس إنتاجاً قومياً مغايراً، وتكون له قدرة التغلب على تحسين وضعه في الاقتصاد العالمي وقوة التعاون لخير الأمة، أما على الصعيد الداخلي فإن إنصاف العمل يخرج مئات الآلاف من عمال وفلاحين من جور الأفراد إلى دائرة الفعل القومي ليكونوا أفراداً عاملين يتمتعون بإنتاجهم وبحبوحة عيش وتوفر لهم الأجواء الصحية ليكونوا أفراداً صالحين يشعرون بأن الإنتاج لهم وأنهم معنيون به وبدولتهم ومستعدين للدفاع عن وطنهم لأنه موئل إنتاجهم ورزقهم، «بهذا التنظيم الاقتصادي نؤمن نهضتنا الاقتصادية وتحسين حياة ملايين العمال والفلاحين وزيادة الثروة العامة وقوة الدولة القومية الاجتماعية». /المحاضرات العشر – طبعة عام 1984 - ص145/.

ه‌.ربط الأجر بالإنتاج:

عند القول بتحويل الجميع إلى منتجين، وإنصاف المنتجين ونيلهم نصيبهم العادل من الإنتاج، فلا بد من وضع آلية لضبط ذلك، إن تحديد ساعات العمل والأجر الشهري المقطوع قد حال دون تطوير الإنتاج وكذلك الأجر المرتبط بالزمن الساعي، كل تلك الوسائل لم تنصف المنتج والإنتاج، لذلك نرى أن ربط الأجر بالإنتاج وهذا شأن التنظيم وإخضاع المنتج لمقاييس تصنيف العمل والإنتاج وتوزيعه، وبما أن الإنسان تقوم حياته على تنوع الحاجيات ونموها، فهو يعمل دائماً على سد حاجاته، فهو منتج دائم وكل فرد سيكون منتجاً، فلكل حاجاته الدائمة، أما مسألة النقابات التي كان من ورائها تثبيت حق العمال فنحن لا نرى الوصول إلى تحصيل الحقوق بواسطتها، فالنقابات تقوم بفرز المنتسبين إليها عن باقي فئات الشعب وتطالب بما ليس من حقها ولا تحسب حساب المجموع القومي فنعود من جديد إلى حالة تفسخ اجتماعي جديد، نحن نقول بلجان تصنيف فني للإنتاج على أساس الحاجة العامة وتوزيع الناتج على المنتجين حسب الجهد المبذول في مراحل الإنتاج.

المبدأ الخامس: إعداد جيش قوي يكون ذا قيمة فعلية في تقرير مصير الأمة والوطن أ‌.صراع القوميات:

إن صراع الأمم حقيقي لا وهم فيه، إنه صراع مصالح وإثبات الوجود وتثبيت الحقوق، وللصراع أشكال متعددة، والأمة التي لا تمتلك القوة اللازمة للثبات في وجه أعدائها والطامعين فيها تتلاشى حقوقها وتضيع في زحمة الصراع، الأمة التي لا تحافظ على هويتها القومية، الأمة التي لا تحقق وحدتها الاجتماعية ولا تحافظ على وحدة مصالحها وتعجز عن لمّ شعث روحيتها، الأمة التي لا إرادة مشتركة مجتمعية لها، الأمة التي تضيع شخصيتها وتستهتر بحقيقتها وتشرك إرادتها بإرادة غيرها لا يمكنها الثبات في معترك الصراع العالمي، الأمة التي لا تعرف معنى الاستقلال التاريخي والاستقلال الروحي لا يمكنها أن تدرك معنى الاستقلال الحقيقي، الأمة التي لا اقتصاد لها مبني على مصلحة الأمة، مصلحة المجموع القومي، لا مكان لها بين الأمم الساعية للمجد، إن موارد الحياة والنزاع الدولي القائم من الأزل لا يعطي سوى الأمم الحية الفاعلة الحق في امتلاك ناصية نفسها، «إن تنازع موارد الحياة والتفوق بين الأمم هو عبارة عن عراك وتطاحن بين مصالح القوميات ومصلحة الحياة لا يحميها في العراك سوى القوة» /المحاضرات العشر – طبعة عام 1984 - ص 149/،

إن القوة وحدها هي الثابت الوحيد في ميزان الصراعات العالمية، والقوة كالمصلحة أو تتشابه معها وهي في المحصلة مصلحة، وكما المصلحة هي مادية نفسية كذلك القوة مادية نفسية ويجب على الأمة حيازة القوة بمظهريها، ولأن الطبع البشري يحترم القوة فإن المجتمعات الإنسانية كذلك، ولما كانت المجتمعات ذات صفات ومصالح متضاربة ففي عمقها النفسي «تشكل إنسانيات على عدد القوميات والأمم، بالتالي فما هو حق لأمة ليس بالضرورة أن يكون لغيرها لأن المصلحة في العراك هي في الأخير أساس الحق في كل معترك» /المحاضرات العشر – طبعة عام 1984 - ص150/، إن أمماً شكلت حالات عامة مع بعضها نتيجة مصلحة شملتها، وما إن انتهت صلاحية تلك المصلحة حتى عادت تلك الأمم إلى ذاتها، إلى مصالحها الخاصة، لننظر إلى عصر الإمبراطوريات كيف تلاشت وأخذت كل أمة موقعها، هي بحقيقتها بذاتها الفاعلة متنبهة لوجودها شاعرة بحقيقة إنسانيتها الخاصة المولدة لمصالحها التي تخصها وحدها دون سواها، من هذه الزاوية ننظر للمصلحة العربية القائمة على طموح سياسي آنذاك بالتخلص من الحكم العثماني، اليوم وبعد قرن كامل من الصياح والضجيج، نرى أن كل الأمم العربية بكل كياناتها تتبنى ذات الشعارات وذات التطلعات إن (صحت التسمية) ومع ذلك لم نجد أي خطوة باتجاه تحقيقٍ لما يدعون، بل نجد أن مصالح هذه الأمم تفرض بوصلة الصراع، فالعرب في دويلاتهم والمصريون والمغاربة يجتمعون اليوم لتفتيت الأمة السورية كياناً بعد كيان ويكيدون لأهله ويتآمرون مع أعدائه لإذلاله والنيل منه، إذاً نحن أمام أمرين:

-الأول: هو زوال المصالح الآنية وثبات المصالح المستمرة. -الثاني: هو كل ما تقدم من شرح حول مصلحة الأمة من الحفاظ على الهوية، السبيل الوحيد لامتلاك القوة، بمظهرها المادي النفسي.

ب‌.ضرورات القوة وتعديل نظام الحرب:

«إذا كانت لنا طلبات ورغبات في الحياة، يجب أن تكون لنا إرادة قادرة على تحقيق المطالب ويجب أن تكون لنا القوة اللازمة لتحقيق تلك المطالب» /المحاضرات العشر – طبعة عام 1984 - ص150/، القوة المادية تعني وجود قوة نفسية عظيمة استطاعت بناءها، وتعني وجود أمة واعية لذاتها وحقيقة مصالحها لتثبيت حقها في العراك، القوة النفسية لا تعطي حقاً ولا تثبت واقعاً، كم امتلكنا من قوة الإقناع والحجة وولجنا الهيئات الدولية والاقليمية موضحين حقنا في فلسطين، لكن ذلك لم يحرك ساكناً، لم تحظ أمة بقوة البيان والفصاحة في إثبات الحق كما نحن فعلنا، ومع ذلك لم نحظ سوى باستهزاء الأمم وزيادة التعدي على حقوقنا، كم من أمة تجرأت علينا لانعدام القوة المادية المغيرة لوجه الحقيقة غالباً، «الأمة السورية يجب أن تصبح قوية مسلحة» /المحاضرات العشر – طبعة عام 1984 - ص149/.

إن إثبات حقنا القومي لا يمكن أن يتم إذا لم نمتلك ما يكفي من القوة المادية، إن الأمة حتى تبلغ مصالحها عليها الاعتناء أولاً بتعبئة الداخل وبلوغ حالة التأهب والدفاع عن المصالح، وإذا تراخت فسنجد الأمة مضعضعة داخلياً غير قادرة على النهوض بأعباء الحياة، فالقوة النفسية تبدأ من الداخل والقوة المادية تبدأ من قناعة الشعب لحشد كل إمكاناته في سبيل إنشاء جيش قوي منظم يمتلك كل أسباب وأساليب الحرب وتقنياتها، بفقدان هذه الأمة مبررات القوة والالتفاف حول مصلحة قومية واحدة ذهبت أجزاء كثيرة من أوطاننا وضاعت حقوقنا، وبسبب أن قوتنا النفسية الحقيقية التي يجب أن تنبع من شخصيتنا، تراخى الشعب وتهرب من مسؤوليته تجاه الأجزاء المغتصبة من بلاده، نحن بحاجة إلى إعادة الترتيب في نظامنا العام ولا سيما فيما يتعلق بالنظام الحربي، الجندي في المعركة إن لم يكن من وسط يؤمن بأمته وبضرورة انتصارها لن يكون صالحاً للمعركة، إن لم يكن الشعب ملتفاً حول قضيته مؤمناً بضرورة انتصارها لا يمكن قيام قوة عسكرية نفسية، وإن لم يكن هناك قضية مجتمعية قومية واحدة فلن تتجه اقتصاديات المعركة لإقامة مصانع حربية قوية تدعم قوة الجيش.

ج‌.الحزب حركة هجومية:

إن الحزب السوري القومي الاجتماعي بنظامه العام الذي يعمل على إحلاله بدل الأنظمة الرجعية الفاسدة التي حرفت الأمة عن مسارها، بهذا الفكر وهذه العقيدة يؤسس لنهضة تشمل كل نواحي حياة الأمة، لذلك يعلن حرباً ضد كل معوقات نهوض هذه الأمة، إن طبيعة إنشاء الحزب يعني أن لا مكان لديه للضعف وهو ليس حزباً سياسياً ينتظر الفعل من الخارج لتكون له ردة فعل، إننا حزب لم يتأسس على قاعدة الظرف الآني ولأسباب مرحلية ولم يتأسس على كره الأجنبي إنه حزب تأسس لاستئصال كل أمراض الأمة، لذلك فحزبنا حزب هجومي تغييري انقلابي يستهدف مهاجمة الأنظمة الفاسدة القائمة على تخلف هذه الأمة والمستمرة باستمرار هذا التخلف فهي تستمد وجودها من تخلف الأمة، نهاجم الحالات النفعية الفردية الأنانية المدمرة للمجموع القومي، نهاجم الحزبيات الدينية المولدة لحالات التفسخ والاقتتال، نهاجم الأفكار المبلبلة التي ضيعت حقيقتنا، نهاجم مواقع الانتهازية والانعزالية، نهاجم المستغلين المستنزفين للثروة القومية، ونعد العدة لمهاجمة عدونا وإثبات حقنا في وطننا وأرضنا وثروتنا، «نحن حركة هجومية لا دفاعية، نهاجم بالفكر والروح، نهاجم بالأعمال والأفعال أيضاً، نحن نهاجم الأوضاع الفاسدة القائمة التي تمنع أمتنا من النمو ومن استعمال نشاطها وقوتها، نهاجم المفاسد الاجتماعية والروحية والسياسية» /المحاضرات العشر – طبعة عام 1984- ص161/، إن الحزب لم ينشأ لمجرد السياسة، فالسياسة هي في خدمة أغراضنا العليا. نحن في الحزب نعمل لقيام نظام جديد يكفل نهضة الأمة ويعيدها إلى صدارة الأمم، نحن نثق بأمتنا بنفسيتنا ونؤمن بطاقتنا اللا متناهية، ونحن مستعدون للاضطلاع بأعباء النهضة لأننا أحرار نسعى ونعمل لحرية أمتنا، ننفض عنا غبار الذل والهوان، «ويل للمستسلمين الذين يرفضون الصراع فيرفضون الحرية وينالون العبودية التي يستحقون» /162/، ولن نكون كذلك.

المصدر : الموقع الرسمي
الكاتب : عمدة الإذاعة والإعلام ssnp-sy.com

إقرأ أيضاً
لا يوجد ألبومات صور مرتبطة بهذا المقال

رأي ومقال

العالم العربي /أزمة عقل- أزمة معارضة/

أردوغان يخسر معركة الرقة قبل أن تبدأ

اردوغان طموحاتك واحلامك على ارضنا ليس لها مكان

في ذكرى يوم الفداء

تموز مولد الحياة وسخاء العطاء

فكرنا في حلقات

المبادئ الإصلاحية /2/

المبادئ الإصلاحية /1/

المبادئ الأساسية /2/

المبادئ الأساسية /1/

يهودية الصهيونية