مقدمة

أطلق سعاده الفكر السوري القومي الاجتماعي وفق نظام جديد أعده لتأمين مصالح الأمة ورفع مستوى حياتها. لذلك يعتبر القوميون الاجتماعيون أن مولد أنطون سعاده هو مولد الفكر القومي الاجتماعي وحركة النهضة القومية الاجتماعية، فيقيمون الاحتفالات ويغذون الأمل كل عام في الأول من آذار بمستقبل مشرق لأمتنا السورية العظيمة.

فالاحتفال بقدوم الأول من آذار كل عام هو ترديد رمزي وتجدد للاحتفال بولادة الفكر القومي الاجتماعي، المتجسد بصاحبه أنطون سعاده. لذلك فإن الواجب يفرض علينا أن نعرّف بذاتية هذا الرجل، الإنسان.

المرحلة بين 1904 و 1919 more_vert
المرحلة بين 1904 و 1919close

هو أنطون سعاده، والده الدكتور خليل ووالدته السيدة نايفة نصير، توفيت في مصر سنة 1913، وكانت سيدة مجتمع راقية. أحبها كثيراً "إنها كانت تفهمني وتفهم مراميّ في الوجود". والده الدكتور خليل هو أصغر أنجال الشيخ أنطون، تخرج طبيباً من الكلية السورية الإنجيلية في بيروت. اشترك مع الشيخ ابراهيم اليازجي والدكتور بشارة زلزل في تحرير مجلة "الطبيب" ثم مارس العمل السياسي وأجبر على مغادرة الوطن إلى مصر سنة 1909 بعد مؤامرة لاغتياله. له مؤلفات عديدة "القاموس الإنكليزي- العربي"، ورواية "كليوباترة" بالإنكليزية، وترجمة "إنجيل برنابا- الأمير السوري".. ولد سعاده في اليوم الأول من آذار سنة 1904 في الشوير قضاء المتن. وتلقى المبادئ الأولية في القراءة والكتابة سنة 1909 على يد المعلم حنا رستم في بيت "نقول" وورث عن والديه رياضة ركوب الخيل.

سنة 1913 أبحر إلى مصر ليلتحق بوالده المقيم فيها، ثم لا يلبث أن يعود إلى لبنان في السنة ذاتها بسبب وفاة والدته، ويتابع دراسته في بيت "نقول" ولكن على يد المعلم فارس بدر، أثارت الحرب العالمية الأولى وتبعاتها في وطنه، الحزن والأسى في نفسه، أن يرى شعبه وبلاده تتعرض لكل هذه المصائب من جوع وخراب وذل واحتلال وتجنيد الشباب والإعدامات، وهي فاقدة الإرادة. فتساءل: "ما الذي جلب لشعبي كل هذا الويل؟" وانتهى إلى تأسيس الحزب جواباً على هذا السؤال الكبير. في عام 1916 انتقل إلى المدرسة الرسمية بإدارة المعلم هيكل صوايا. وكان عمه العلامة داوود سعاده يرعاه طوال العامين المذكورين. ويروي رفيقه على مقعد الدراسة جبرائيل صوايا أنه كان يمتاز بموهبة الخطابة وبإلقائه الجذاب، وكذلك يروي المعلم وديع سعد، أنه رغب أن يمنح الطالب أنطون سعاده شرف حمل العلم التركي في استقبال جمال باشا عند زيارته للمدرسة، فكان جواب سعاده "شخص هَتَكَ أمتي ما بقعد تحت بيرقو". وأمام إصرار الحامية التركية في الشوير على المقاومة وعدم الانسحاب بعدما انهزم الجيش العثماني، تسلق سعاده سارية المدرسة الملساء بقوته الجسدية، وأنزل العلم العثماني ومزقه.

1904-1919
المرحلة بين 1919 و 1925more_vert
المرحلة بين 1919 و 1925close

في سنة 1919 يصل مع أشقائه إلى أميركة ليلتحق بأخوته عند خاله سليمان نصير في نيو مكسيكو، وهناك يضطر لترك المدرسة ليشتغل ويساعد في تكاليف معيشته وأشقائه ويعمل مراقباً في شركة خطوط حديدية. وفي سنة 1920 استقر المقام بوالده في البرازيل وانضم إليه أولاده الصغار الثلاثة ليتابعوا دراستهم. بينما انصرف سعاده الفتى لمعاونة أبيه في إصدار جريدة "الجريدة" التي توقفت عن الصدور سنة 1923. بعدما أمضى أربع سنوات في العمل الصحافي. لم يؤثر توقف "الجريدة" على انتشار اسم سعاده في الأندية وفي مجتمعات الجالية السورية المعجبة بمقالاته. حتى إنه ولعظمة مقالاته، استكبر الناس أن تكون من كتابة شاب عمره 19 سنة. واعتقدوا أنها من كتابة والده الدكتور خليل.

أول مقال عالج فيه شؤون الوطن ظهر في 4 حزيران 1921. وبعده عالج في حوالي عشرين مقالاً: " آمال الوطن" و"الوطنية" و"غورو وسورية" و"الوحدة السورية ومخاوف اللبنانيين" و"السوريون والاستقلال وعاصفة الثورة السورية". أحرف الطباعة رصفها بنفسه. كما رصف أحرف مقالاته مباشرة "من رأسه" من دون كتابة على الورق. بالإضافة إلى أنه كان مسؤولاً عن إدارة "المجلة" لتأمين الموارد المالية منها.

1919-1925
المرحلة بين 1925 و 1928 more_vert
المرحلة بين 1925 و 1928 close

وفي أول عهده بالتعاطي بالشؤون العامة في العشرين من عمره أسس جمعية الرابطة الوطنية السورية وهي جمعية سياسية أسسها سعاده نفسه سنة 1925 في "سان باولو" وأرادها جمعية تنمو سراً وتمتد إلى الوطن وتجمع عناصر الشباب لتتجه إلى الأعمال الجدية والثورة. وسميت في طورها الأول "جمعية الشبيبة السورية الفدائية" وعزا أسباب سريتها في البداية لأنها تكون ضعيفة أمام الزعازع الخارجية".

وكان من أعضائها هنري ضو، صاحب جريدة "المراقب" والطبيب عبدو جزرة، والأديب رشيد معلوف، والشاعر فيليب لطف الله، والأديب راجي أبو جمرة، وشاب من عائلة المر. بعد شهرين من انسحابه من الجمعية حدث تطور في تفكيره بدا واضحاً في مقالاته في "المجلة" واتخذ من تجربته في الجمعية منطلقاً لآفاق جديدة في العمل السياسي. فدعا الأعضاء الستة في الجمعية المارّ ذكرهم وأعلن لهم إرادته في متابعة العمل وتأسيس حزب جديد يدعى "حزب الأحرار السوريين"، ويبقى سرياً حتى يصل أعضاؤه إلى المئة عضو.

وأقسم الأعضاء الستة اليمين بعدما أعلنوا التزامهم بنظام الحزب ومبادئه، وباحترام الأعضاء لرؤسائهم وتأييد سلطة زعيمه في التشريع والقيادة، وهي أشبه بعناوين أو ملخصات لمبادئ الحزب السوري القومي الاجتماعي الأساسية والإصلاحية الذي سيؤسسه سنة 1932. واشترطوا عليه أن يكون هو رئيس الحزب وزعيمه، والناطق الرسمي باسمه. وأصدر قراره الأول بتسمية القيادة برئاسته وزعامته للحزب، وعيّن عبدو جزرة نائباً له وهنري ضو ناموساً عاماً وفيليب لطف الله أميناً للصندوق ورشيد معلوف مديراً للدعاية وراجي أبو جمرة مديراً للثقافة والمر مديراً للعلاقات العامة. بعد استقالة والده من "الماسونية" يرسل سعاده استقالته للأسباب ذاتها في 10 آب 1926 إلى المحفل الماسوني، مستنداً على عشرة بنود. وفي سنة 1927 يتابع التدريب في "الكلية السورية البرازيلية" كما يتابع قيادة "حزب الأحرار السوريين"، ويدرس اللغة الروسية. (وبالمناسبة أجاد سعاده اللغات الإنكليزية والألمانية والفرنسية واللاتينية والإسبانية والإيطالية والبرتغالية قراءة وكتابة، وطالع في آدابها وتفهم قواعدها كأحد أبنائها، يكتب ويخطب ويجادل فيها كلها بسهولة تامة، كأنه يستعمل لغته العربية).

1925-1928
المرحلة بين 1928 و 1932 more_vert
المرحلة بين 1928 و 1932 close

في منتصف سنة 1928 قرر العودة إلى الوطن وتجميد "حزب الأحرار السوريين". وفي صباح أول آذار (مارس) سنة 1929، في ذكرى ميلاده الخامسة والعشرين، يسجل بعض مشاعره على الورق. وفي تموز (يوليو) 1930 يناجي نفسه "أين الوطن؟ إلى هناك تشتاق نفسي ويتزايد حنيني". وفي الثلاثين منه يركب الباخرة متجهاً إلى الوطن بعد أن قضى واجبه العائلي في المهجر، فيصل إلى بيروت ومنها إلى ضهور الشوير ضيفاً في دار ابن عمته وديع مجاعص، ليمضي ما تبقى من فصل الصيف في مسقط رأسه ما عدا فترة غالبها في زيارة قصيرة إلى صيدنايا بمناسبة عيد السيدة ليعود من الزيارة ويكتب "قصة فاجعة حب" و"قصة سيدة صيدنايا".

في دمشق

في آخر ذلك الصيف قرر أن ينتقل إلى دمشق. جذبته دمشق إليها ولا غرو في ذلك، فدمشق المدينة العاصمة كانت تستقطب العمل السياسي، فمن مؤتمر سنة 1919 إلى الثورة سنة 1925، إلى الإضرابات التي تتكرر بلا انقطاع، إلى استقبال هذا الشاب المغامر سنة 1930. سكن سعاده في منزل متواضع يقع في "حارة بندق" بجوار شارع العابد. وكان من سكان المنزل محمد غندور. وأخذ سعاده يدرّس مادة اللغة الإنكليزية في "الجامعة العلمية" لصاحبها سليمان سعد. من الاختيارات الاجتماعية اختياره عائلة الصيدلي سامي نخمن صديقاً، وكان له ثلاثة أولاد، أحدهم طبيب والثاني مهندس والثالث طالب طب، ويقول نخمن عن سعاده: "عرفت نوابغ كثيرين ولكن في حقل واحد من حقول المعرفة. ولكن سعاده كان مجموعة نوابغ، فهو عبقري في جميع الحقول. أضف إلى ذلك صغر سنه بالنسبة إلى ضخامة المواضيع التي يطرقها، فمتى تعلم هذا كله وأين وهو الذي لم يتخرج من أية جامعة". وكان من الأوائل الذين سرت المودة إليهم الأستاذ نصوح بابيل، صاحب جريدة "الأيام" ومطابعها. وهناك بدأ احتكاك سعاده برجالات "الكتلة الوطنية". مركزاً اتصالاته على أولئك المشرفين منهم على الجريدة، وهم: إبراهيم هنانو، فخري البارودي، هاشم الأتاسي، سعد الله الجابري، ولطفي الحفار... وسرعان ما بدأت تتكشف أمامه حقيقة الوضع. "إنه وضع يدعو إلى الرثاء. همهم الوحيد هو العمل السياسي وحده، العمل ضد المحتل. لا وجهة سير اجتماعية ولا وجهة سير اقتصادية". من هنا انطلق يصارع. ومن جملة اتصالاته برجال الفكر كان رجال المجتمع العلمي العربي. ورئيسه في ذلك الحين، محمد كرد علي، وزير المعارف في الحكومة السورية المؤقتة. ويقول عارف النكدي، رئيس تحرير جريدة "اليوم" التي بدأ سعاده عمله الصحافي فيها مترجماً، إن سعاده ما اكتفى بالترجمة فقد بدأ يكتب مقالات في السياسة الخارجية بدت له معقولة وناضجة فأفسح له المجال.

1928-1932
المرحلة بين 1932 و 1935 more_vert
المرحلة بين 1932 و 1935 close

بدأ التأسيس لحزب سياسي قومي اجتماعي عام 1932 بخمسة أشخاص هم جورج عبد المسيح، من بيت مري وزهاء الدين حمود (أردني) ووديع تلحوق (من السويداء) وجميل صوايا (من ضهور الشوير) وفؤاد حداد (من بيروت)، ثم تظاهر بحل الحزب وأعاد تأليفه من عبد المسيح وحداد وصوايا. من الشخصيات التي انتمت إلى الحزب في تلك الفترة السرية كان فؤاد سليمان، بهجت خولي، عبد الله قبرصي، شارل سعد، صلاح لبكي، زكي النقاش، يوسف الدبس، جورج حكيم، وديع الياس، موسى سليمان، بهيج مقدسي، رجا خولي، نعمة ثابت، فكتور أسعد، فؤاد خوري، سامي قربان، جبران جريج، كامل أبو كامل، فخري المعلوف، سعيد عقل (الشاعر) الحاج نقولا البردويل، رشيد أبو فاضل، يوسف تاج، وليام أبو خليل، محمد النقاش، محمود الحافظ، مأمون أياس، كنعان الخطيب، روبير أبيلا، منح الراسي وبطرس سماحة و(معظمهم من الشخصيات البارزة في تاريخ لبنان).

الزوبعة وأول آذار

في تلك الفترة تم اختيار شارة "الزوبعة" شعاراً للحزب، واعتبرها البعض، بسبب زواياها الأربع، تقليدا لـ"شارة حزب هتلر النازي (السوستيكا) أو الصليب المعقوف" المنقول هو أصلاً عن الآثار السورية العمورية. وحورب الحزب على أنه نازي بسبب هذه الشائعة، وقد اكتشف بعض القوميين أن "الزوبعة" تعود إلى آثار سورية قديمة. في 28 شباط 1935 ليلة أول آذار، يتلاقى نعمة ثابت ومأمون أياس وعبد الله قبرصي ليفاجئوا أنطون سعاده في كوخه برأس بيروت ويقدموا له باقة زهر "يهنئونه بعيد ميلاده، فكان ذلك أول احتفال بالأول من آذار في الحزب. ويرد سعاده على ضيوفه بتلاوته قسم الزعامة أمامهم واقفاً. وفي تلك اللحظات "دشنا عيد أول مارس" مناسبة حزبية.

1932-1935
المرحلة بين 1935 و 1936 more_vert
المرحلة بين 1935 و 1936 close

ليلة السادس عشر من تشرين الثاني 1935 في الخامسة صباحاً، ألقي القبض على سعاده وأربعين شاباً وكان من بينهم نعمة ثابت، زكي نقاش، جورج صليبي، فؤاد خوري، فيكتور أسعد وانضم إليهم بعد يومين عبد الله قبرصي ومأمون أياس، ثم صلاح لبكي وجورج حكيم وفؤاد مفرج. زجوهم في حبس الرمل "بتهمة التآمر على سلامة الدولة". ونام المعتقلون ليلتهم الأولى في القاووش مع المجرمين والقتلة. جميعهم بمن فيهم سعاده تعرفوا على السجن للمرة الأولى. في التحقيق تحمل سعاده كل المسؤوليات من دون تردد". وفي السجن بعد التحقيق عومل الجميع معاملة السجناء العاديين وخرج الجميع من عند الحلاق على الصفر، بعدما خضعوا للقانون. "نحن نخضع للقانون" هكذا أجاب سعاده بعدما علم أن جز الشعر يطبق على الجميع بموجب القانون. في اليوم التالي، تدفق الطعام والفرش والأغطية على المساجين من الرفقاء، فتأكد أن صدمة الاعتقالات لم تزعزع إيمان الأعضاء بقضيتهم، الذين هزت الصدمة نفوسهم وقدموا مع بعض المواطنين ما تيسر من المساعدات. وخارج السجن، عيّن زكريا اللبابيدي ورفعت زنتوت وعادي عيتاني أنفسهم "مجلس عمد" ليضبطوا الأعضاء ويشرفوا على تصرفاتهم. يتابعون التبشير بالعقيدة ويجمعون التبرعات وينظمون إرسالها إلى السجناء والاتصال بالصحف. وبعد خمسة أيام احتفل في السجن المعتقلون بالذكرى السنوية الأولى لإبرام دستور الحزب.

أول محاكمة

قاعة المحكمة اكتظت بالحضور، وكلهم فضول للتعرف على الشاب مؤسس الحزب أنطون سعاده، خاصة وهو يثير غضب رئيس المحكمة بتجاهله الرد على المناداة باسمه "أنطوان سعاده" مرات عدة. وطال الصمت حتى "ظن البعض أن الوجل أحاق به فخارت عزيمته وعقل لسانه" ونبهه المحاميان حميد فرنجية وحبيب أبو شهلا إلى "إن الرئيس يناديك" فأجابهما سعاده بهدوء تام "لم أسمع الرئيس يذكر اسمي"، واستوضح الرئيس الأمر فأجيب إن المقصود بالمناداة حاضر ولكنه لا يجيب لأنه لم يُنادَ باسمه الصحيح. ويسأل الرئيس ما اسمه، ويوجه سعاده كلامه للمحاميين اسمي "أنطون سعاده" ويعيد المنادي "أنطون سعاده" فينهض: "حاضر". عندها "تشخص الأبصار إلى الفتى الذي فرض شخصيته وطريقة تفكيره على المحكمة منذ أول احتكاك معها". بالرد على الاتهام: "حضرة الرئيس: إني سوري وفي بلادي. وإني أقود حركة تحريرية ترمي إلى إقامة السيادة القومية وجعلها مطلقة، فلست أقبل أن أُحمل على الكلام في البلاد بغير لغتي". وتم للزعيم ما أراد وترجم كاتب المحكمة كلامه جملة جملة. سرد رئيس المحكمة تأسيس الحزب، واتهمه بخرق وحدة البلاد الجغرافية وانتهاك حرمة الأرض، فأجابه سعاده: "إني متهم بخرق وحدة البلاد فأراني مضطراً علمياً لا بالعاطفة للقول: إن خرق وحدة وطننا الجغرافية وانتهاك حرمة أرضنا قد تمّا بالفعل في سان ريمو وسيفر ولوزان، والمسؤولون عن ذلك هم غير الحزب السوري القومي".

"نشوء الأمم"

نعود إذاً إلى الاعتقال الأول 1935 لنرى كيف تمكن سعاده فيه من تدوين كتابه المشهور "نشوء الأمم"، الذي لا يزال حتى اليوم مرجعاً علمياً مهماً في علم الاجتماع باللغة العربية. وأكمل إنجازه خلال فترة السجن الثانية 1936 وطُبع عام 1938. في 12 أيار 1936، كان بعض المسؤولين والرفقاء يجتمعون بسعاده وسط داره، ملتفين حوله في شكل دائرة، يتحدث إليهم عقب الإفراج عنه حول مرسوم الحكومة بحل الجمعية المسماة "الحزب القومي السوري" فأعلن يومها، بأن "الحكومة يمكنها حل الحزب بمرسوم ولكن الحزب قائم بإرادة الشعب. وإرادة الشعب تستطيع حل الحكومة. ولكن الحكومة لا تستطيع أن تحل إرادة الشعب". ولا شك أن مثل هذا التصريح يزعج أوساط السلطة. ويدفعها إلى التفكير الجدي الفعال لوقف هذا المد الثوري ووضع حد لصاحبه. من أسباب الاعتقال الثاني ردة الفعل الشعبية والحزبية بعد الإفراج الأول عن سعاده ورفقائه وما صاحبها من "تظاهرات الابتهاج والتأييد والحماس الشعبي". وقد حركت مخاوف الأمن العام الفرنسي من انتشار الحزب خارج أوساط الطلاب والشباب وانتقاله إلى أوساط الشعب كافة. فأصبح جميع العاملين النشيطين في الحزب بالإضافة إلى القيادة تحت رقابة شديدة، مهدّت للاعتقال الثاني.

1935-1936
المرحلة بين 1936 و 1937 more_vert
المرحلة بين 1936 و 1937 close

يوم الثلاثين من حزيران 1936، بعد اتهام المنفذ العام عبد الله جميل بتأديب أحد الصحافيين المتهجمين على الحزب. طوق رجال الأمن، وعلى رأسهم الأمير فريد شهاب، منزل سعاده ودخلوه عنوة بعد عراك مع الرفقاء الموجودين في الساحة. وخرج الزعيم وانتهر رجال الأمن الفرصة فانسحبوا خارج المدخل ما عدا رئيسهم فريد شهاب، الذي أبلغه مذكرة توقيف. فعاد إلى الغرفة وكتب مرسوماً بتعيين مجلس أعلى مؤقت. وكانت التهمة إعادة تشكيل الحزب الذي صدر مرسوم بحله. المجلس الأعلى المؤقت الذي عيّنه الزعيم كان برئاسة صلاح لبكي المحامي والشاعر وعضوية نعمة ثابت ومأمون أياس وفوزي البردويل ويوسف بحمدوني. في الثامن من تموز (يوليو) 1936 ينظم الحزب أول تظاهرات حزبية قررتها القيادة المركزية لدعم موقف سعاده. ففي كل منطقة سيتظاهر القوميون أمام السراي المحلية ومخافر الدرك أو الشرطة. وتنطلق التظاهرات في طرابلس وضهور الشوير وكفر مشكي والكورة والأشرفية، حيث قدم المسؤول عن التظاهرة الرفيق فيليب فارس عريضة جاء فيها "لما كنتم اعتقلتم زعيم السوريين القوميين من أجل عقيدته. ولما كنا نحن أيضاً ندين بالعقيدة ذاتها، لذلك جئنا طالبين اعتقالنا معه إلى أن يفرج عن الزعيم من السجن وإلى أن يخلي المحقق الذين لم يثبت بحقهم شيء".

نشيد الحزب:

في ذلك السجن، وضع سعاده نشيد الحزب. ويروي فيكتور أسعد أن سعاده وأثناء مروره إلى زنزانته المنفردة رمى إلى القاووش ورقة صغيرة ملفوفة، فيها شعر جميل نظمه سعاده. وفي أسفله ملاحظة "يعلمنا فيها أنه نشيد يمكن غناؤه على نغم اللحن الروسي استنكرازن". ومن غرفته المنفردة مرر الزعيم كلمات النشيد إلى بقية الرفقاء المساجين وطلب منهم التمرن على إنشادها بنغمات اللحن الروسي، الذي يعرفه فيكتور أسعد لينشدوه جميعاً في وقت واحد عند تلقيهم الإشارة من سعاده وهكذا كان. ما حدث داخل المعتقل عبّر عن قوة وصلابة سعاده ورفقائه بمواجهة السلطة المنتدبة وأعوانها من الدرك، كما عبّر عن مدى صبره وأناته وتجلي قدرته القيادية وما يتمتع به من مناقبية، وتميزه باحترام النظام والقانون عندما لا يتجاوز القانون على حقوق أمته ووطنه ولا يعتدي عليها.

خارج السجن:

أما خارج السجن، فكان أعضاء الحزب "والمسؤولون يكملون الطريق". فلا تكاد تخلو منطقة من انتماءات جديدة ترافقها اعتقالات ومضايقات، في الأرزاق والوظائف، عدا حملات التفتيش المستمرة لمحلات ومتاجر ومكتبات وبيوت "المشبوهين" بانتمائهم إلى الحزب. وهكذا من أنطلياس إلى المتن الشمالي "ضهور الشوير، بتغرين، زرعون، الخنشارة، بسكنتا". امتداداً إلى المتين. وكذلك في المتن الأعلى، ورأس المتن ويزيدين وكفر سلوان وقبيع والعبادية وبتخنية وغيرها من القرى، انتقالاً إلى الطرف الآخر في عاليه وبشامون وصيدا وعماطور وبعقلين ومشغرة في البقاع الغربي، وفي زحلة، انتهاء بدمشق وحمص وحماه وتل كلخ وصافيتا وحلب واللاذقية وطرطوس وبانياس. وتميزت هذه الفترة بإصدار سعاده "بلاغ إلى الرأي العام" عرف بـ"البلاغ الأزرق" في 15 تموز 1936. في 16 تشرين الثاني 1936 بعد الإفراج عن سعاده، وقع اصطدام بين حزب "الوحدة اللبنانية" وحزب "الكتائب اللبنانية" المارونيين من جهة وبين "الكشاف المسلم" و"فرق النجادة" من جهة أخرى. ومنعاً لحدوث فتنة طائفية، توجهت فرقتان حزبيتان بأمر من سعاده، إحداهما بقيادة جورج عبد المسيح إلى البسطة، والثانية بقيادة مأمون أياس إلى الأشرفية. وألقى القوميون خطابات بجموع المتظاهرين أمام الطرفين، دعت إلى التهدئة ونبذ العصبيات الدينية، ونجحوا في تنفيس الاحتقان. ونلاحظ هنا أن قائد الفرقة إلى البسطة الإسلامية، كان مسيحياً، والآخر إلى الأشرفية المسيحية كان محمدياً، لأن سعاده كان يفرض محاربة الطائفية بالممارسة والتصدي لا بالمناورة والمداورة. فترة الاستراحة بعد الاعتقال الثاني ملأها سعادة برحلة سياسية إلى طرابلس والمنطقة المتاخمة لأنطاكية واسكندرون في منتصف كانون الأول 1936. فأمضى يوماً في طرابلس بزيارة الأمينة الراحلة نجلا معتوق، متابعاً إلى صافيتا ليلقي خطاباً في حشد تجاوز الخمسة آلاف نسمة في ساحة "الميدان" وكانت المرة الأولى لظهور الحزب علناً إلى الشام. وبعد صافيتا، يزور سعادة مرمريتا ومشتى الحلو ومتن عرنوق وطرطوس. وفي تلكلخ أحاطت الموكب كوكبة من الفرسان من كل جانب.

1936-1937
المرحلة بين 1937 و 1938 more_vert
المرحلة بين 1937 و 1938 close

قبل سفره إلى المهجر، لأسباب أمنية تتعلق بسلامته، سبقت سفره مقابلة تاريخية مهمة يلتقي فيها، رياض الصلح بأنطون سعادة، قبل اثنتي عشرة سنة من اغتيال سعادة في 8 تموز (يوليو) 1949؛ المتهم رياض الصلح بالضلوع فيها. كان ذلك في منزل المرحوم موسى نمور (رئيس المجلس النيابي ثم وزير الداخلية آنذاك)، وعلى ما يروي عبد الله قبرصي وهو يتذكر، أنه سمع من سعادة نفسه وقائع اللقاء، بأن سعاده قال لرياض الصلح: "إن أهم ما قصدته في مبادئ حزبي الإصلاحية هو علمنة الدولة وإلغاء كل آثار الطائفية من النصوص ومن النفوس". ويبدي رياض الصلح تجاوباً وحماسة لآراء سعادة ويوافقه على هذا الإلغاء "ولو كلف الدولة والشعب عشرة آلاف ضحية". ويدل تعقيب رياض الصلح الفوري على ما قاله سعادة على إدراكه خطورة وصعوبة الوضع الطائفي. وبالتالي أهمية إلغائه مهما كلف من تضحيات وضحايا، ولو وصلت إلى عشرة آلاف ضحية.

رأيه في بيير الجميل:

في 17 تشرين الثاني (نوفمبر) 1937 يحل خير الدين الأحدب رئيس الحكومة اللبنانية الجمعيات ذات الاتجاهات شبه العسكرية Para – Militaire، ويشمل الحل "القمصان البيضاء" و"النجادة" و"الكتائب اللبنانية". وتتمرد "الكتائب" على قرار الحل، وينزل بيار الجميل -وهو رئيسها وكان في مطلع شبابه- مع بعض رجاله إلى "ساحة البرج"، ويتظاهرون ضد القرار، ويعطي حبيب أبو شهلا وزير الداخلية أمراً بقمعها بالقوة، فقمعت وجرح بيار الجميل جرحاً بسيطاً، وسجن مع بعض رفاقه. ذلك كان الاصطدام الوحيد بين "الكتائب اللبنانية" و"السلطة"، ولم يحدث أن اصطدم بيار الجميل ورجاله بسلطات الانتداب لمقاومة الانتداب، كما يذكر بعض "الكتائبيين" في أدبياتهم. وعلى الرغم من موقف بيار الجميل من أنطون سعادة، لم يفوت الزعيم الفرصة فأعطى رأيه بتصريحات الجميل قائلاً: "إن بيار الجميل يريد سحق رأسي، أما أنا فأتمنى سلامة رأسه". ويضيف: "بيار الجميل جندي شجاع ولكنه قائد فاشل أو "ضيق". بعد اعتقال دام ستة أشهر في 1935، وأربعة أشهر في 1936 وثلاثة أشهر في عام 1937، قرر أنطون سعادة السفر إلى المهجر، ليفوت على السلطة ما أعدته له من ملفات جديدة ملفقة بمواضيع غير سياسية للإساءة إلى سمعته وتوقيفه للمرة الرابعة، لإرغامه على الدخول مع السلطة بمواقف دفاعية عبر وسائل إعلام تسيطر عليها الدولة. فيما الحزب لا يزال في مطلع نشوئه ولم يتصلب عوده كما يريد ولا إعلام عنده، ولينظم فروع الحزب في المهجر.

1937-1938
news Image
1938-1947

مصاعب العودة بدأت في المهجر ذاته، فلم يكن بإمكان السفارة الفرنسية في الأرجنتين إعطاء تأشيرة سفر لأي لبناني إلا بأمر وإذن من وزارة الخارجية اللبنانية. وعودته إلى الوطن لم تكن مسألة هينة ولا روتينية